ولأهمية تنمية المهارات في تعزيز مشاركة الأفراد في عمليات التنمية والبناء للمجتمع، وتحسين مستويات المشاركة في الناتج الوطني للدولة، أطلقت الدولة برنامج تنمية القدرات البشرية كأضخم مشروع عالمي يُعنى بصناعة الأفراد واكتشاف طاقاتهم وتنمية قدراتهم وتوظيفها التوظيف الأمثل بموازنة مليارية تعادل ميزانية دول مجتمعة، واستقطاب ذوي الخبرة والتجارب الناجحة في ذلك للحديث عن المنهجيات والاستراتيجيات المتعلقة بالإرشاد والتوجيه المهاري والمهني لخفض معدلات البطالة المقنعة من حملة الشهادات المعرفية المجردة، وتحفيز الأفراد على الاستفادة من الدعم الحكومي السخي من صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، فيما يتعلق بالشهادات الاحترافية المهنية المتخصصة في شتى المجالات القيادية والتخطيط الاستراتيجي والتشغيلي، والرقمية، وبناء المشاريع والتحليل المالي وصناعة القرار وغيرها. والعمل وفق منظومة متكاملة توجه عمليات التدريب والتأهيل القطاع الحكومي والخاص وغير الربحي نحو المهارات وخصوصاً المهارات العقلية كمهارات التفكير العليا كالتفكير الناقد والإبداعي، والمهارات الرقمية، والمهارات التواصلية والقيادية وغيرها، والعمل على ربط المعارف بالبيئة المحيطة بالفرد من خلال التطبيقات العملية، وتزويده بالتجارب والممارسات العالمية النوعية في ذلك.
ومن هنا تبرز ضرورة إيجاد مسارات مهنية بجانب المسارات الأكاديمية داخل مؤسسات الإعداد والتأهيل تُعنى بالبناء المهاري والمهني والممارسات التطبيقية بحسب متطلبات سوق العمل المحلي والإقليمي والعالمي، وتحفيز الطلاب والطالبات نحو المشاركة المجتمعية لتطوير تلك المهارات وتقييمها بصورة دورية من خلال إقامة شراكات استراتيجية مع مختلف القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، وعلى رأس تلك المهارات مهارات البحث العلمي المتمثلة في كيفية إجراء البحوث الميدانية، وتوثيق المصادر، وجمع البيانات وتحليلها، وتقديم المقترحات في ضوئها، وكذلك مهارات كتابة التقارير والمقالات العلمية بوضوح واحترافية، وإشراك الشباب والشابات في المشاريع المنفذة من خلال معاهد البحوث والاستشارات كمتدربين لصقل مهاراتهم كمهارة إدارة الوقت والتدرب على الموازنة بين الأعباء الأكاديمية الدراسية والحياة الشخصية، وتنمية مهارات التواصل الفعّال، ومهارات التحدث والإلقاء وتنظيم الأفكار وسردها، والاستماع الجيد، والتفاوض، وكذلك مهارات العمل الجماعي وتقبّل الرأي الآخر.
وفي ظل التحول الرقمي وأتمتة الخدمات تبرز أهمية العناية بالمهارات الرقمية وتصميم الخدمات والمنتجات الرقمية، والاحترافية في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وكذلك مهارات البرمجة والتصميم، وتعلم أساسيات البرمجة بحسب التخصص والاهتمام، ومن المهارات كذلك مهارة إعداد السيرة الذاتية والمقابلات، وريادة الأعمال وتشجيع التفكير الريادي وإنشاء مشاريع صغيرة أو أفكار ابتكارية، ودعم فرص التدريب العملي وربط الطالب بجهات العمل لاكتساب خبرات حقيقية والمتابعة الجادة لذلك.
وأخيراًج، كم هو جميل أن نرى قريباً في مؤسسات الإعداد والتأهيل عمادات مستقلة بكوادر نوعية معنية بالمهارات دراسة وبحثاً، وتأهيلاً وتدريباً، واستقطاباً للتجارب النوعية حتى نحظى بجيل منافس يجمع بين المهارة والمعرفة، والشغف والريادة، والإنتاجية والتنافسية بعيداً عن الاكتفاء بتخريج كوادر معرفية تفتقد للمهارة، وتسقط عند أول عتبات سوق العمل وعندئذ يعظم الخطر وترتفع البطالة وتنتشر الجريمة -لا سمح الله- ، فالنجاح ليس بشهادة تحمل وإنما بمعرفة يُجاد استخدامها في الوقت والمكان المناسبين.
جامعة الملك خالد
[email protected]


