هذا المثال البسيط، تجسدٌ لفكرة مفادها، صحيحٌ أنه أقصر مسافة بين نقطتين هي وصلهما بخطٍ مستقيم، ولكن ماذا لو كان في طريقك عراقيلٌ وسدودٌ ومنحدرات، ورمالٌ متحركة، وأرضٌ وعرة؟ أ تخاطر بحياتكَ لتصلَ لهدفك؟ على رسلك يا صديقي، من قال لك بأنه لا يوجد سوى طريق واحد للوصولِ لوجهتك؟ الطرقُ عديدة، والمسافاتُ متفاوتة، واحتمالاتُ وجودِ تحويلاتٍ أو منعطفاتٍ لم تكن في الحسبان، واردةٌ جداً يا صديقي، فهكذا هي رحلتنا في هذه الحياة، رحلةٌ لا يمكن لها أن تسيرَ في خطٍ مستقيم، وإن أصررتَ على ذلك فقد تدفعُ ثمنَ عِنادِك باهِظاً.
فقد ترسم في آفاق ذهنك خطة يومك أو خطة سفرٍ لإجازتك الصيفية، ولكن لسببٍ أو لآخر، تتغير ملامحُ الخُطة فجأةً، ودون سابقِ إنذار، لتجدَ نفسكَ في طائرةٍ تحلق بك لوجهةٍ لم تخترها أنت لنفسك، بل اختارها أحبائك، وجهة يتمنون ويحلمون منذ فترة بالذهاب إليها، وتود تحقيق تلك الرغبة لهم، حتى أصبح هذا السلوك نمطاً في حياتك، ولكن هل استوقفت نفسك مرةً لتحادثها؟ أيتها النفس قد تعبت في أيام العمل، والكدِ والشقاء، ألا تودين الراحة؟ أين تحلمين أيتها النفس بالاستراحة أن تكون؟
هل في حدائقِ الفردوسِ في تلك الدولةِ الأوروبية غرباً؟
أم في تلك الكهوف في الجبال ذات القمم البيضاء شرقاً؟
أم على تلك السجادةِ الخضراءِ النديةِ وسط غابات السنافرِ والأقزام السبعة؟
ألست أنت المتعب الذي يطمح بأن يحظى بأيام راحةٍ في محطة تناسبُ ذوقيةَ مزاج فنجانِ قهوتهِ الصباحي، وعصرونية يومِ تسوقٍ في أشهرِ أسواق طريقِ الحريرِ في العالم، وعشاءٍ لطيفٍ في جوٍ من البهجةِ الهادئة، بعيداً عن صخبِ حياةِ المُدن ذاتِ الطابعِ المعيشيِ السريعِ الذي يهرول تارةً ويركض تارةً أخرى.
أم تبخرت أحلام اليقظة هذه بعد سماع صوت من يرأسك مبلغاً إياك بأنه قد تم رفض إجازتك لحاجة العمل لك الآن؟ إنه وقت الذروة لا نستطيع العمل من دونك!.. أنا مهم! الآن وقت ذروة! رحلتي!، راحتي!، كأس عصير الأناناس البارد على الشاطئ تحت المظلة!.. أين تلاشتْ تلكَ الأحلامُ الوردية؟ ولكنكَ محوتَ اسمي من المميزين! ورفضتَ حضوري لمناقشةِ تحدياتِ الربعِ الثالثِ من العام! إنني لا أفهمْ!
نعم يا صديقي العزيز لكلٍ من الأشخاصِ في حياتكَ مهما علتْ مَرَاتِبُهُم وتَرَاتُبِيَتِهِم لديكَ أجندةٌ خَاصَة بِغَضِ النَظَرِ إيجابيةً كانتْ أمْ سلبية، ولكنَ الأكيدَ أنها قدْ تتعارضُ مع خطتكَ التي رسمْتَها في ذِهْنك، ورَقَصْتَ فَرَحاً عِندَ تَصْمِيمِها، وتَصَورِها في ذِهْنِك، فخُذْ حِذْرَكَ جيداً إنْ أَرَدْتَ السعي بتنفيذِ خِطتِك الرائِعَةِ واستعد لدفع ثمنِ المجهودِ للمقاومةِ حتى النهايةِ لتصلَ لمرادكَ.
وإنْ أتممتَ المهامَ المنوطةَ لكَ منكَ وإليكَ حسبَ خُطَتِك المُحْكَمَةِ، أوْكِل بَقِيةَ الأَمْرِ لهُ وحْدَهُ فَبَبدِيعُ صَنِيعِه سَيذْهِلُك. صديقي حَيَاتُك خَطَّهَا حسنُ التدبيرِ لحكمةٍ لا يعلمها سواه، فمنْ أخرجَ حبيسَ بطنِ الحوتِ لم يعجزهُ أن يخلقِ له الشفاءِ من يقطين، وتذكرْ عندما تلمعُ خطةٌ في ذِهْنكَ وتتوقُ لها نفسكَ "اعْقِلْهَا وتَوَكْل".



