كان غاضبًا، يلوّح بيده ويُكرّر عباراته. أما الآخر، فقد ظل صامتًا، يزنُ كلماته بميزان عقلٍ لا تزلزله الانفعالات، ولا يستفزه الصخب. لكن فجأةً تحوّل المقهى إلى مسرح، والجمهور عيون تتفرّج!
وفي ذروة المشهد، فعل الرجل الهادئ ما لم يتوقّعه أحد: نهض بهدوء، التقط سترته، قال عبارة قصيرة لا تكاد تُسمع، ثم غادر. لم يرفع صوته، لم يردّ، لم يبرر، كان فعله وحده كافيًا. أما الآخر، فبقي في مكانه، يلوّح بكفّين خاليتين، يبحث في الهواء عن معنى أو جمهور، أو ربما عن نفسه.
تلك اللحظة، وإن بدت عابرة، إلا أنها كانت تجسيدًا حيًّا لمقولة العرب: «غضب العاقل في فعله، وغضب الجاهل في قوله». الفارق بين العقل والانفعال لا يُقاس بدرجة الغضب، بل بكيفية التعبير عنه.
فالغضب ليس عيبًا في ذاته، لكنه يصبح خُسرانًا حين يُسلم العقل زمامه للسان! فالعاقل لا يصرخ، لأنه يعرف أن الصوت العالي لا يمنح الحقيقة قوة، ولن يُربك الباطل! هو يغضب، نعم، لكنه يغضب لينسحب، ليقرّر، ليُغيّر، لا ليثير جلبةً تُثير الشفقة أكثر مما تُقنع.
ولعلنا، في زمن يتسابق فيه الناس على الكلام، ويفترض فيه الجميع أن التعبير عن الموقف يعني رفع الصوت وتوسيع الجدل، نحتاج إلى وقفة مع هذا المثل، ففي زمن «الرد السريع» و»المنشور الغاضب»، لم تعد مساحة الصمت خيارًا رائجًا، بل تبدو كأنها ضعف أو تراجع. لكنها، في حقيقتها، القوة التي لا تحتاج لتجمهر أو تبرير.
لقد رأينا كثيرًا من العلاقات تنكسر، والفرص تضيع، والوجوه تتبدّل بسبب كلمات قيلت في لحظة غضب لم يُضبط. وحدهم العقلاء، أولئك الذين يمسكون زمام أنفسهم في اللحظات الحاسمة، يتركون أثرًا أطول من أي نقاش، وأقوى من أي رد.
إننا بحاجة لإعادة النظر في مفاهيمنا عن الغضب والقوة، عن الرد والصمت، عن متى نتكلم، ومتى يكون الصمت أبلغ، فالهدوء لا يعني الرضوخ، كما أن الصراخ لا يعني الصواب! وفي عالم مزدحم بالأصوات، يبقى الهدوء هو الصوت الوحيد القادر على إرباك الجميع.
[email protected]



