لكن.. ماذا حدث؟
لماذا نشهد في كثير من الدول وفي مجتمعاتنا العربية تحديداً تراجعاً ملحوظاً في فعالية الجمعيات الخيرية؟ ولماذا أصبحت بعضها مجرد لافتات للاستهلاك الإعلامي، أو واجهات اجتماعية هدفها الظهور أكثر من التأثير؟ تحوّل عدد كبير منها إلى كيانات شكلية للأسف لا تلامس جوهر العمل الخيري الحقيقي.
باتت العديد من الجمعيات تُنشأ من أجل «المظهر» لا «الرسالة»، وتدار بعشوائية، دون رؤية استراتيجية أو شفافية في الأداء. تحوّلت من جسور عطاء إلى هياكل تنظيمية مشلولة، لا تُحدث أثراً ملموساً على أرض الواقع، ولا تتفاعل مع التحولات الحياتية والاحتياجات المتجددة للفئات المستفيدة.
هناك تحديات راهنة تواجه أداء الجمعيات الخيرية . وواقع الكثير من الجمعيات الخيرية يعاني من اختلالات، أبرزها غياب الشفافية . والاعتماد على الموسمية. وتقتصر نشاطاتها على شهر رمضان أو المناسبات ولا توجد برامج مستدامة. وكذلك ضعف التخطيط والرؤية.
فالعديد من الجمعيات الخيرية تفتقر إلى خطط استراتيجية أو قياس أثر. وتحوّلها إلى وسيلة دعائية أو «واجهة اجتماعية «تهتم بالظهور الإعلامي أكثر من التأثير الفعلي، وغياب الحوكمة الفعّالة. بعض المجالس الإدارية شكلية ولا تتغير منذ سنوات مما يعوق التطوير. وضعف كفاءة الكوادر، وقلة الكفاءات المدربة في الإدارة، والتسويق، و تحليل الاحتياجات وغيرها .
إذا أردنا أن تستعيد الجمعيات الخيرية مكانتها، وتعود لأداء دورها الحقيقي كداعم إنساني للمجتمع، فلا بد من إعادة هيكلة الحوكمة، وأن تُدار الجمعيات بعقول متخصصة، لا بمجرد متطوعين أو أصحاب نفوذ، وأن تفعّل مجالس الإدارة بممثلين من أصحاب الخبرة في العمل التنموي والمالي والقانوني، وأن يكون هناك شفافية ورقابة، ووضع آليات واضحة لتتبع أثر المشاريع وقياس مدى استفادة الفئات المستهدفة، والشراكة مع الدولة والقطاع الخاص، وأن تتحول هذه الجمعيات من مجرد جمعيات لجمع تبرعات إلى شريك تنموي مستدام، وأن تنفذ برامج مشتركة مع الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة بالعمل الإنساني، والتركيز على التمكين لا التسكين، وكذلك التحول من تقديم المساعدة الوقتية «كالسلال الغذائية.. إلخ» إلى مبادرات تدريب وتأهيل ودعم مشاريع تخلق دخلاً مستداماً للمستفيدين.
العمل الخيري ليس ترفًا، بل واجب حضاري وأخلاقي، نحن بحاجة إلى نموذج جديد للجمعيات الخيرية. نموذج يخرج من دائرة المظاهر، ويدخل إلى عمق التغيير، ليعيد للمجتمع إيمانه بأن الخير لا يزال ممكناً، وأن المؤسسات لا تزال قادرة على صنع الفرق.
فالعمل الخيري مسؤولية أخلاقية لا تحتمل التساهل أو المجاملة. قيادات الجمعيات الخيرية إن أحسنت الإدارة وأخلصت النية، فهي القادرة على تحقيق تغييّرات عظيمة في المجتمع، لكنها إن تحوّلت إلى كيان صوري، فإنها لا تُهدر فقط الأموال، بل تُهدر ثقة المجتمع.
نحتاج اليوم إلى وقفة مراجعة حقيقية، تُعيد للعمل الخيري هيبته، وللجمعيات دورها، ولنموذج العطاء الإنساني سُمُوّه ونقاؤه.
وختامًا أقول «اليد التي تعطي بصدق، أقوى من كل الخطب.. لأنها تصنع الحياة».
[email protected]


