الخوف ليس مجرد انفعال عابر أو ردة فعل غريزية تنقذنا من الخطر، بل هو ضيف دائم على تفاصيل حياتنا، ضيف يتخفّى في قراراتنا، ويتسلّل إلى اختياراتنا، ويوجه مسار مشاعرنا دون أن نلتفت له في كثير من الأحيان. وقد يبدو غريبًا أن نكتب عن «الخوف»، لكن من المهم أن نتوقف ونُمعن النظر: ما الذي يمكن أن يخبرنا به عن أنفسنا؟ وكيف يمكن أن نعيد تعريف علاقتنا به؟
في جوهره، الخوف هو آلية دفاعية. نتعلم منذ الطفولة أن الخوف من الألم أو العقاب يمنعنا من تكرار الخطأ. لكنه مع الوقت يتطور، ويكبر، ويكتسب أشكالًا خفية: خوف من الفشل، من الرفض، من خسارة الأمان، من نظرة الناس، من التغيير، وحتى من النجاح أحيانًا.
تحت تأثير هذا الخوف، نميل إلى البقاء في مناطق الراحة. نؤجل أحلامنا، ونتراجع عن فرص تستحق المحاولة، ونتخذ قرارات لا تعبّر عنا بقدر ما تُرضي مخاوفنا. شخص يريد تغيير وظيفته لكنه يخاف من المجهول، وآخر يحب لكنه لا يبوح خوفًا من الرفض، وثالث يطمح للدراسة أو السفر لكنه يخشى الخروج من المألوف. الخوف لا يصرخ دائمًا.. أحيانًا يهمس فقط: «ابقَ مكانك، لا تخاطر».
والمفارقة أن الخوف لا يوقف الألم، بل يؤجله. فالذي يخاف من الفشل قد لا يفشل، لكنه لن ينجح أيضًا. والذي يخاف من الوحدة ربما يبقى في علاقات سامة فقط كي لا يواجه مرآة نفسه. وهكذا، نصبح أسرى للخوف، لا لواقع حقيقي.
لكن الخوف لا يكون دائمًا واضحًا أو مُعلَنًا. فبعضه يسكن في اللا وعي، في الزوايا الخفية من النفس، حيث تتشكّل ملامح السلوك دون أن ندركها. هناك، في الأعماق، ينسج الخوف خيوطه في صمت، ويُلبس قراراتنا عباءة المنطق، وهي في جوهرها استجابات لمخاوف دفينة لم تُفكك بعد.
قد نرفض فرصة أو نغلق بابًا أو نبتعد عن حلم، لا لأننا لا نريده، بل لأن اللاوعي استدعى مشهدًا قديمًا، تجربة مؤلمة، أو خيبة منسية، وحرّكنا دون أن ننتبه. وهكذا، نظن أننا نختار، بينما خيوط الخوف هي من تقود.
ولعل أول خيط يجب علينا أن نقطعه من نسيج الخوف، هو الاعتقاد بأننا أقوى منه بالصمت أو التجاهل. القوة الحقيقية تبدأ من رؤيته، الاعتراف به، تسميته، ومساءلته: هل هذا قراري حقًا؟ أم أن الخوف حاكه لي في الخفاء؟
هكذا فقط، نستعيد زمام النفس، ونفكّ خيوطًا نسجها الخوف لسنوات طويلة.. دون أن ندري.
@A_SINKY



