لنأصلْ الموضوع أولا: «دفتر» كلمة ألفناها كثيراً، ولكنها في الأصل كلمةٌ يونانية. ولأجيب على هذا السؤال المثير للجدل، بدايةً أذهب للمكتبةِ فيخطفُ أحدُ الدفاترِ عيني، لمواصفاتهِ المميزة كملمسِ غلافهِ، لونهِ، نعومةِ أوراقِ صفحهِ، حجمهِ وعددِ أوراقهِ، ثم أبدأ إِعدادَ ميثاقِ الصداقةِ مع هذا الدفترِ الفريد، والذي انتقيتهُ بعنايةٍ فائقة، لأدونِ فيه أفكاري، التي تمثلُ ما تَطرحهُ روحي من أسئلةٍ و معضلات، ثم أدونُ ما ألْحَظُهُ في هذه الدنيا على مساراتِ ونطاقاتِ الحياةِ المختلفة، وأبدأ الكتابةَ فتتدفق الأفكارُ سلسلةً نديةً ورقيقةً تارةً، وتارةً عظيمةً مبهرة، وتارةً أخرى طفوليةً ببراءةِ طفلٍ مبهورٍ بما ينظرُ إليه مِنْ حوله، من عجيبِ ألوانِ الحلوى و الألعابِ المختلفة.. حتى تأتي فكرةٌ أخرى تبهرني تفوقُ الموقفَ الباهِرَ الذي خطفني من حقيق الدنيا، فأجدُ نفسي أحتاجُ لدفترٍ آخرَ لأعبرَ عنْ تلكَ الفكرةِ المتفردةِ، والتي تستحقُ أنْ يخصَّصَ لها دفترٌ خاصٌ بها.
تضيقُ ساحةُ التعبيرِ عندما يُضيقُ الأحباءُ علينا نطاقَ التعبيرِ عن مكنوناتِ لؤلؤنا. أوليس كنزُ اللؤلؤ بمهمةٍ صعبة، تزيدُ من قيمةِ اللؤلؤ الدانِ؟ هي تلكَ مشاعرُ أحبائنا اللذينَ من أجلنا، وتقديراً لنا، حبسوا التعبيرَ من أن ينطلق. جميلٌ ورقيقٌ هو ذلك الشعورُ من أحدِهم تجاهنا، ولكن أو ليسَ الثمينُ مما يُخبئ في محارٍ تحتَ عميقِ غطاءِ البحر؟ فلما يسعدنا إذاَ أنه خُبئ عنا؟ أما نرغبُ بنثرِ هذا اللؤلؤ بين أيدينا؟ فالعينُ حين تبصرُ محبوباً، وتمنعُ عن الإفصاحِ عن صافي لؤلؤ دمعها، فلا جفنٌ يلتحفُ مقلتها وكيف يلْحفُها وشظيةٌ في وسطِ لحْظِها؟ لا العينُ تغمضُ ولا العينُ بسلمى، فتحتارُ أدمع تذرفُ أم تتنثر الدم؟!
الخطاطُ والرسامُ، كل منهما فنانٌ بطريقتهِ الفريدة، فيجسدُ تَرفُ الإحساسِ بفرشاتهِ على لوحٍ بكرٍ أبيض، وكلاهما ضليعٌ بأنواع ِ الخطوطِ، مميزاتها وعيوبها. فالخطُ العريض، جميلٌ وله هيبةٌ خاصة، ويتميزُ بأن هامشَ الخطأ فيهِ منخفضٌ، بينما الخطُ الرفيعُ لهُ دقةٌ متفردةٌ لا تحيدُ عما رُسِمَ له، فهو قد يصِل بدقته إلى حدِ الشعرة! ولهذهِ الدقةِ ثمنٌ باهظ، حيثُ أصبحَ هامشُ الخطأِ عالٍ جداً، فأيُ خطأٍ قدْ يفقدُ الخطَّ الرفيعَ تميزه. وصحبُ مجالسنا كذلكَ يخطُّون مراسِيلهم بالخطِ العريضِ تارة، وبالخطِ الرفيعِ تارة أخرى، فإن أبصرنا رفيعَ خطِهم، فهم يفتحُون لنا واسعَ أبوابِ قلاعِ قُلوبهم، ويَهبوننا من دررِ لؤلؤهم، وهناك من لا يملكونَ إلى أقلاماً رفيعةَ الخطِ، وفرشٍ رفيعةَ الرسمِ فهؤلاء صحبٌ أفئدتهم كأفئدةِ الطير، لهم قلبٌ ترفٌ، فإن رغبتَ بصونِ متكِئهم في مجلسِ قلبكِ، فوِداً ومحبةً ورقةً معهم.
bshaleid@



