السفينةُ، والمرساةُ، والدفة، ثلاثةُ عناصرَ أساسيةٍ في عالمِ البحارِ والإبحارِ يعلمُها ويفهمُها كل البحارةِ والقَبَاطِنَة.
ينتقلُ الإنسانُ بعد خوضِ المعاركِ، والأعاصيرِ، والعواصفِ في رحلةِ ميادينِ العلمِ المدرسي والجامعي، إلى بحورِ الحياةِ المختلفةِ، فيتغيرُ ركبهِ من قطارِ الحياةِ، ومحطاتِها، إلى سفينةٍ هو رُبانُها، وقُبْطانها، وريسها حسب لغةُ البحارة – وهي أعلى مراتبِ الطاقمِ البحري على ظهرِ السفينة. حيث تتميزُ السفينةُ عن القطارِ، بمساحةٍ حرة لا تُقيدها سِكَةٌ حديدة ذاتُ محطاتٍ ثابتة، بل تسيرُ في مساراتٍ تعادُ مِراراً وتِكراراً، أشبهَ بقطارٍ يلهو بِه طفلٌ في غرفةِ المعيشةِ، في منزلٍ يضجُ بضحكاتِ ذاك الطفلِ السعيدِ، بلعبتهِ الجديدة.
وحينَ تعيشُ حياتك كربانِ سفينةٍ، ستمتلكُ القدرةَ على إصدارِ القرارِ الوحيدِ والمتفردِ لسفينتك، بالتوقفِ وإنزالِ المرساة، لتثبتَ ركبكَ قبلَ مرورِ العواصفِ والأعاصير، فوقَ بحرٍ إغمقتْ غيومُ سماءهَ منذرةً بموجٍ هائجٍ، وطقسٍ عاصفٍ وبارد. نعمْ إنَّ من الحكمةِ في الحياةِ حين نواجه الصعاب، أنْ نتوقفَ، وننظرَ لأبعادِ الموقفِ من جميعِ الجهاتِ والأبعاد. بينما في ميادين الدراسة، فالركبُ جيوشٌ جراره، تسيرُ بتعليماتِ قائدِ الجيش، وقائدي الكتيبةِ والسرية، فلا تملكُ قرارَ التوقفِ ولا قرارَ السير، بل تنفذُ تعليماتٍ رسمتْ لكَ بدقةٍ متناهية، تضمنُ نجاحَ المشهدِ لا نجاحَ دوركَ أنتْ فقط.
ولترسو سفينتكُ على شواطِئ الأمان، عليكَ أن تمعنَ النظرَ في النجومِ والسماءِ تارةً، وفي البوصلةِ تارةً أخرى، فالعواصفُ من فوق السفينةِ، ومن خلفها، ومن أمامها، والموج طودٌ كالجبال. أغلقْ شِراعك، وثبّت مرْكَبك، وحافظ على طمأنينة ركبِ سفينتك، فأنت الحاكمُ، والقاضي على ظهرِها، حتى تصلَ إلى الشاطئ.
ولكن الوصول إلى ذلكَ الشاطئِ المنشود على خرائط تيه الحياة، يتطلبُ إدارةَ الدفةِ بدقةٍ ومهارة. فوصول تلك السفينة لشاطِئها بأمان، لهو زهوٌ فريدٌ، بعد ما خاضتهُ تلك السفينةُ وقبطانها، من عظيمِ المصاعبِ، وشديدِ الأزمات، الذي رسمَ دوائرَ الإرهاقِ على محياه، حيث أن القراراتِ الصعبةِ، وضعتهُ على شطيرِ سيفِ الحياة مرة، و مرةً على مقصلةٍ نفِذ منها ناجياً، وعلى بعدٍ، قدرهُ شعرةٌ من تلك المقصلةِ، التي كادتْ أن تدقَ عُنقه.
فلنحمدِ اللهَ على رسو السفينةِ، و وصولِها لمأمنِها، سليمةً، أو بأقلِ الأضرارِ الممكنةِ على أقل تقدير، ولنحمدِ الله أيضاً عندما لا تصلُ لتلك السفينةُ لشاطئها أبداً، فلا يحمدُ على مكروهٍ سواهُ، ولكنَ جميلَ أقدارهِ السارية في كونهِ لها أسرارٌ غامضة، و حكمةٌ لا ندركُ أبعادها بعقولنا الغضة، في هذا الحياة، فلنحفظْ تلكَ الابتساماتِ الجميلةِ، و الرقيقةِ على محيانا، فمن يكتبُ أقدارنا سواهُ، و من يحبنا كحبهِ إلا هُو.
bshaleid@



