لعل البعض منكم لاحظ أنه خلال السنوات الماضية وربما لعقود قد خلت، أنه زادت وتيرة العواصف الرملية والترابية عما كانت عليه في السابق، بل إنها أصبحت تزورنا حتى في فصل الشتاء، على غير عادتها وفي غير موسمها. وكنت أعتقد أننا من القلة في هذا الجزء من العالم الذين يعانون من العواصف الرملية، ولكن مع قليل من البحث وجدت أن هناك مناطق أخرى من المعمورة يعانون كما نعاني، بل بعض المناطق قد تكون أشد وأقوى. ووجدت أيضا أن المسألة أصبحت قضية عالمية، وصار له يوم عالمي يسمى: «اليوم الدولي لمكافحة العواصف الرملية والترابية» والذي يوافق يوم (12) من شهر يوليو الحالي.
ولشدة تأثير هذه العواصف، فقد ذكرت الأمم المتحدة عنها قائلة: «وتمثل العواصف الرملية والترابية تحديًا هائلاً وواسع النطاق أمام الجهود المبذولة لتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فقد أصبحت تلك العواصف مصدر قلق عالمي في العقود الأخيرة بسبب آثارها الكبيرة على البيئة والصحة والزراعة وسبل العيش والرفاه الاجتماعي والاقتصادي». والمتأمل لما يجري سيجد أن هناك علاقة وثيقة بين زيادة معدل العواصف الرملية وبين أنشطة البشر المتعددة، حيث ذكر الموقع الرسمي لهيئة الأمم: «تنشأ ما لا يقل عن (25%) من انبعاثات الغبار العالمية عن الأنشطة البشرية، حيث تضاعف الغبار الصحراوي في بعض المناطق في أثناء القرن الماضي». أي ما يحدث بما كسبت أيدينا!
وبحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فقد كان هناك تعاون عالمي في عام (2019م)، حيث ورد أنه تأسس تحالف دولي جديد لتعزيز تنسيق الأنشطة المتعلقة بالعواصف الرملية والترابية، والتي لها آثار ضارة على صحة الإنسان والبيئة والقطاعات الاقتصادية الرئيسية في بلدان كثيرة في العالم. بالإضافة، فقد قيل إن عدد البلدان المتأثرة بهذه الظاهرة بلغ (151) بلدا ومنطقة من أفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية وأستراليا.
صحيح أن العواصف الرملية لها فوائد، منها مثلا أنها عامل أساسي في التغيرات الحيوية الطبيعية للأرض، ولها أثرها في قتل بعض الميكروبات (الأحياء الدقيقة) والجراثيم، وتقليل درجات الحرارة، وهي تساعد على تلقيح النباتات، ولكن كما جرت العادة حين يسرف الإنسان في استهلاك الموارد الطبيعية مثل: تدمير الغطاء النباتي أو الهدر المائي أو سوء إدارة الأراضي الزراعية يخل ذلك في التوازن البيئي، وتبدأ مشاكل التصحر، والتغير المناخي، وتلوث الهواء.
ولكن على الجانب الآخر، لها أيضا سلبيات حين تكثر عن المعتاد وتخرج عن التوازن الطبيعي (بفعل البشر كما ذكرنا سابقا)، حيث إنها تؤدي إلى موت المرجان وتكوين الأعاصير، وهي تسبب أيضا تهيجا للعيون والجلد، وأمراضا للجهاز التنفسي، وهي كذلك قد تؤدي إلى تعطل النقل البري والجوي، وهي بلا شك لها تأثير على النشاط والإنتاج الزراعي، وتزيد من عملية التصحر، وتدني الرؤية الأفقية مما يؤثر سلبا على المركبات في الطرقات، وغيرها من الأسباب.
ومن الحلول المقترحة للحد من تنامي هذه الظاهرة، زيادة الغطاء النباتي حيث يساعد على تماسك التربة، ويعمل كمصدات للرياح، واستخدام نظام الإنذار المبكر من العواصف، والتوعية والوعي المجتمعي، ودعم وتشجيع صغار المستثمرين في القطاع الزراعي، وحماية البيئية وخصوصا الأشجار والنباتات من العبث أو الاحتطاب الجائر وغير المسؤول.
وأعود لأؤكد على أهمية التوعية المجتمعية في زراعة النباتات (التي لا تستهلك كميات كبيرة من المياه)، في الطرقات والمنازل والمدن وما حولها. وكذلك أهمية القوانين التي تحمي الأشجار من الاقتلاع العبثي أو الاحتطاب الجائر. فهما (التوعية والقوانين) يسيران جنبا إلى جنب للتقليل من آثار هذه العواصف.


