كم عدد أصدقائك؟
كبير جدًّا!
وهل هم أوفياء؟!
«حطهم على يمناك».
أعتقد أن هذه ردود كثير من أبنائنا وبناتنا عندما يُسألون عن أصدقائهم، وقد يغضبون عندما يطلب منهم الوالدان ومَن يهتمون بأمرهم أن يتأكدوا من حال أصدقائهم أو استبدالهم بأصدقاء مناسبين، ويرون ذلك تعسفًا وتدخّلًا في حياتهم الخاصة، مع أن الحقيقة أن بعض هذه الصداقات مبنية على خلل في الاختيار، ولذلك تحدث الصدمات والمشاكل بسبب الثقة غير المبنية على أسس منطقية.
لمَن يعيشون في عالم الأحلام من الشباب والشابات، ويثقون بكل معرفة أو زميل عمل أو حساب في موقع تواصل، بل ويضحُّون بالغالي والنفيس من أجله، أورد قصة ذكرها بهاء الدين الأبشيهي في «المستطرف في كل فن مستظرف» تقول: كان ابن مقلة وزيرًا لبعض الخلفاء فزوّر عنه يهودي كتابًا إلى بلاد الكفار وضمّنه أمورًا من أسرار الدولة، ثم تحيّل اليهودي إلى أن وصل الكتاب إلى الخليفة، فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر بقطع يد ابن مقلة، وكان ذلك يوم عرفة، وقد لبس خلعة العيد ومضى إلى داره، وفي موكبه كل مَن في الدولة، فلما قطعت يده وأصبح يوم العيد، لم يأتِ أحد إليه، ولا توجّع له، ثم اتضحت القضية في أثناء النهار للخليفة أنها من جهة اليهودي، فأرسل إلى ابن مقلة أموالًا كثيرة وخلعًا سنيّة، وندم من فعله واعتذر إليه، فكتب ابن مقلة على باب داره يقول:
تحالف الناس والزمان... فحيث كان الزمان كانوا
عاداني الدهر نصف يوم... فانكشف النّاس لي وبانوا
يا أيّها المعرضون عنّا... عودوا فقد عاد لي الزمان
قصة أصدقاء ابن مقلة قبل مئات السنين، وفي عالمنا اليوم كثير من الصداقات مبنية على المصلحة، والوفاء فيها من طرف واحد، ولذلك يجب أن نكون أكثر وعيًا، فنكون أكثر صرامة في اختيار أصدقائنا، فلا ننقل كل أحد من دائرة المعرفة إلى دائرة الصداقة، ولا ننقل كل صديق إلى دائرة الأخوة، ولا نرقى بكل أخ إلى دائرة الخلة فنجعله روحًا من الروح، بل نتأنى ونفحص لكي لا نقع فيما لا يسر.
ولدي.. ابنتي.. احذر أن تكون ساذجًا، احذري أن تكوني ساذجة، باسم الوفاء والحرية في اختيار الأصدقاء.
@shlash2020



