@shlash2020
أحد أسباب منع البعض من العطاء هو انتظار الجزاء، فهو يريد المقابل لكل شيء يعمله وإلا يتوقف.
يريد الجزاء من زوجته وأولاده، ويريد الوفاء من طلابه، ويريد التقدير من أقاربه ومجتمعه، وإلا لماذا يعمل؟!
لمنتظري الجزاء السريع أذكر قصة أوردها شهاب الدين الأبشيهي في كتابه «المستطرف في كل فن مستظرف» من تاريخنا العظيم تقول: «إن العباس صاحب شرطة المأمون دخل يوماً مجلس الخليفة ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما رآه الخليفة طلب منه أن يأخذ الرجل، ويستوثق منه ويحضره في الغد، فأخذه لبيته، ولما وصل سأله عن قضيته، فقال الرجل: أنا من دمشق، فقال العباس: جزى الله دمشق وأهلها خيرا، وأخبره بقصة رجل من أهل دمشق أنقذه قبل سنوات من أناس أرادوا قتله حيث أدخله بيته وحماه وأكرمه حتى أعاده إلى أهله، فلما سمع الرجل الحديث قال: لقد أمكنك الله تعالى من الوفاء، أنا ذلك الرجل، وإنما الضر الذي أنا فيه غيّر عليك حالي، فقام العباس وقبّل رأسه، وفك قيوده وأكرمه، وطلب منه أن يغادر، ثم دخل على المأمون في الصباح وقد جهز كفنه، وعندما سأله عن الرجل قال: يا أمير المؤمنين، اسمع مني، فقال: لله عليّ عهد لئن ذكرت أنه هرب لأضربنّ عنقك. فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب. ولكن اسمع حديثي وحديثه، ثم شأنك ما تريد أن تفعله في أمري، وأخبره القصة ثم قال: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين: إما أن يصفح عني، فأكون قد وفيت وكافأت، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي. فلما سمع المأمون الحديث قال: ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيرا إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة، وتكافئه بعد المعرفة، والعهد بهذا لا غير. هلّا عرفتني خبره فكنا نكافئه عنك ولا نقصر في وفائك له، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ههنا قد حلف ألا يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر. فقال المأمون، وهذه منه أعظم من الأولى اذهب الآن إليه، فطيّب نفسه وسكّن روعه وأتني به حتى أتولّى مكافأته». وهذا ما حصل حيث أكرمه المأمون وأعطاه.
إذن كم من معروف جاء بعد سنوات رده، وإن لم يأت في هذه الحياة القصيرة فما عند الله خير وأبقى، الأهم ألا تتوقفوا عن العطاء انتظاراً للجزاء.



