تلعب الأعمال السينمائية والتليفزيونية دورًا كبيرًا في نشر الثقافة بالمجتمع، وتفتح أبوابًا مغلقة، وتغلق ما كان مفتوحًا، تربط وتقرب المجتمعات مع بعضها. كما عملت على تطوير الخيال وتطلعات كل فرد في المجتمع.
أذكر خلال عملي على بحث الماجستير، عندما كنت أقابل أطفالًا، فترة الستينيات، كيف طبعت في ذاكرتهم قصور الباشوات التي صوّرت في الأفلام السينمائية المصرية بأدراجها الفخمة، وبلاطها الرخامي، وحدائقها الشاسعة، ونقلت إليهم نمط حياة مختلفًا تمامًا عما كانوا يعيشونه. فالمجتمع كان يعيش في حي العدامة، حيث المساكن بنمط الشقق السكنية، وقبله في حي الديرة (الدواسر)، حيث كانت بيوت الحوي. كم نقلت تلك الأفلام روائع التصاميم المعمارية والأزياء الراقية، والتي تماشي الموضة في أوروبا وأمريكا.
لم يقتصر نقل السينما والتلفاز على المواد البصرية، بل تعدت إلى أداة مهمة ألا وهي اللغة واللهجات.
ذكر مصحح اللهجة الصعيدية في أحد المسلسلات المصرية أن اللهجة فتحت أبوابًا وحوارات ثرية ومضحكة بين شخصيات المسلسل، وما لفت انتباهي هو وصفه للأبعاد في اللهجة الصعيدية، حيث ذكر أن في اللهجة الصعيدية خمسة أبعاد، وهي: "هنه وهناك وهنكه وهناكهيتي وأبيه هناكهيتي"، حيث ترمز هنه إلى المكان القريب جدًّا، وترمز وأبييييه هناكهيتي كما نطقها إلى البعيد جدًّا جدًّا.
إن الغنى في المصطلحات التي استخدمها ليس غريبًا على اللغة العربية، وإن كانت اللهجة الصعيدية من اللهجات العربية العامية. فاللغة العربية بليغة وعميقة، وهذا ما أعادني إلى الربط بين اللغة والعمارة.
خلال عملي على بحثي لدرجة الدكتوراة، عرجت في مساري إلى بساتين اللغة العربية لأقطف منها ما يتلاءم مع موضوع بحثي ومنهجيته، فوقفت عند بلاغة العرب الوصفية وعلاقتها بالإنتاج المعماري، وما ورد في الشعر العربي عن العمارة.
ووجدت أن هناك العديد من الأبحاث التي تربط بين الشكل وبين اللغة كدراسة الدكتور صباح سليمان لعمارة المماليك في مصر، وارتباطها بالبلاغة، بعنوان المعمار المملوكي بين هندسة اللفظ وهندسة الشكل. أثبتت الباحثة من خلال المقارنة بين الإنتاج المعماري للمماليك والبلاغة، أن هناك علاقة وثيقة بينهما، وأن الإنتاج المعماري هو نتاج طبيعي للآلية اللغوية البلاغية المستخدمة آنذاك.
استنبطت العلاقات الهندسية من البلاغة العربية، واعتمدت على أن البلاغة تمثيل الحركة العقلية عند العرب، وتمثلت بمجموعة المعلومات التي اكتسبها الإنسان بالقراءة والدرس من العلوم العربية كالنحو، والصرف، وعلوم البلاغة، والشعر، والأمثال والحِكم، والتاريخ وغيرها من الفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع، بالإضافة إلى الرياضيات.
واستنتجت عددًا من العلاقات التشكيلية الجمالية، والتي تربط الأشكال الهندسية التي تميّز بها المعمار المملوكي وطبّقتها على عدد من المباني. وهذه العلاقات هي وسيلة تخاطب الذهنية العربية بدلًا من القوانين الغربية المعروفة، وهي:
1/ الوحدة (الجمع - التكميل - الحذف)، 2/ التنوع (الطباق – المقابلة)، 3/ الاتزان والتماثل (التماثل والتشابه - العكس - القلب - التناسب)، 4/ التكرار (الغرض – أشكال غير مركبة - أشكال مركبة - عناصر مختلفة)، 5/ الإيقاع وأنواعه التعدد والمرصع. 6/ الهندسة الشكلية (النسبة والتناسب).
عرفت من خلاله أن اللغة إن استخدمت ببلاغة وعُمق يمكنها أن توصل الفكرة والمعنى والإحساس أيضًا، وأن بإمكاننا أن نستخدمها لنرسم لوحة فنية في عقل المستمع، يسكن لتفاصيلها، فاللغة أداة تواصل المجتمع، وبها نهضته وقوته، وهي من أهم خصوصياته، التفكير في مسألة اللغة من الأشياء التي نشطت التفكير الفلسفي والتاريخي في القرن العشرين، بدءًا بفردنان دي سوسير، ووصولًا إلى أقطاب الفلسفة التحليلية، مثل برتراند روسل، ولودفيق ويتقنشتاين، ورودولف كارناب، وجون أوستين؛ لذلك لابد من الكشف عن جذور المجتمع عبر استخراج أسس الخطاب.



