عندما يبدأ تكون الجنين في الرحم يكون شريطا مزدوجا على شكل جديلة من الحمض النووي DNA، المحشوة بمئات التريليونات من المعلومات، التي بدورها تصبح طفلا متشكلا بالكامل له عينان، وأنف، وأذنان، ودماغ، وذراعان، وساقان، ولا يقوم الإنسان بأي شيء لجعل ذلك يحدث، ففي تلك الكتلة الصغيرة مسودة من المعلومات المستقبلية، وخطة دقيقة حول موعد نمو أسنانك، ومتى ستبلغ سن البلوغ، ومتى سينتج جسمك الهرمونات لتتمكن من الإتيان بكائن بشري آخر، كل ذلك موجود ومكتوب في تلك الكتلة الصغيرة، ويحدث عفويا من دون جهد، بسهولة ويسر، ومن دون مقاومة، ويتبدى نبض الكون من خلالك على هيئة جديلة مزدوجة من الحمض النووي الوراثي، فإذا كان بإمكان جسدك توليد مئات التريليونات من الخلايا، وإذا كان بإمكان كل خلية أن تقوم بدورها الفريد وتربط نشاطها بكل خلية أخرى من دون أي إرباك، فذلك لأن ذكاء الكون يدفق عبر تلك الكتلة الصغيرة من الحمض النووي الوراثي الذي لا يمكنك أن تراه حتى بالمجهر، وأفضل ما يمكنك القيام به هو أن تتركه يحدث دون إرباكه أو مقاومته، فليس هذا من الحكمة أو من المصلحة، ويمكننا القول إنك تتدخل وتربك التدفق حين تبدأ بالقلق وتفقد حس التواصل مع نفسك ومصدرك الداخلي، وعندما تبدأ بتوقع المشاكل، وبالتفكير الوسواسي، وحين تحاول التحكم في كل شيء، وعندما تكون خائفا، وعندما تشعر بالعزلة، فكل هذه الأشياء تتداخل مع تدفق ذكاء الطبيعة، وتعيق ذكاءك البديهي الذي هو جوهر كينونتك، وذاتك الحقيقية، أما صورتك الذاتية فهي تلقين من قبل المجتمع، والصورة التي صنعتها لنفسك استنادا إلى ما يفكر الآخرون فيك، وحين تضحي بالذات الحقيقية من أجل صورة الذات، تفقد ما هو مقدس من أجل شيء وهمي لا وجود له، فالذكاء البديهي عفوي وحدسي وتطوري وكلي، لكن الخوف والشك والقلق يضعك في حالة انكماش تتداخل مع التدفق العفوي للذكاء الفطري، فإذا أحسست بالمقاومة أو بالإحباط، ومتى كان هناك الكثير من الجهد والتوتر، ستقطع تواصلك مع حقل الإمكانيات الوفير بداخلك، فالخوف حالة انفصال ومقاومة لما هو كائن، وإذا لم يكن ثمة مقاومة فكل شيء سيكون عفويا وسهلا ميسرا، فإذا أردنا شيئا ما فإننا نركز انتباهنا عليه، فكل ما تركز انتباهك عليه سينمو أقوى في حياتك، فعندما يختبر الناس الألم يحاولون تجنبه، أو يريدون الفرار منه، وبقدر ما يحاولون القيام بذلك يتركز انتباههم على فكرة الألم وتأخذ فكرة الألم بالتعاظم، مما يسبب مزيدا من الألم، لذا إذا كنت تشكو صداعا وتريد التخلص منه، فلا تهرب من الألم، ولا تحلله ولا تفسره، ولا تحاول الحكم عليه، بل اشعر بذلك الإحساس بكل وعيك الكامل وركز انتباهك عليه كمجرد مراقب وليس قاضيا أو ضحية، وستجد أن الألم سيتبخر، لأن كل ما يمكنك التفكير فيه هو تصور، فالألم تصور، والسعادة تصور، والثروة تصور، والفقر تصور، وما من شيء موجود لم يكن في البداية تصورا، أو فكرة، فتجاوز دوما التصور إلى الجوهر، فعندما يزرع البستاني البذور لا يشك بتاتا بأنها ستنمو إلى نباتات، ولا يضيع الوقت في انتظار النتيجة، فهو يعلم بأنها ستتحقق، ومن أجل أن نستخدم قوتنا بفعالية علينا أن نبدد تعلقنا بالمحصلة، لأن التعلق شكل من أشكال الخوف والقلق المعيق لتدفق خزائن الوفرة الكونية.
@LamaAlghalayini



