ويذهب زمن ويأتي زمن ويتقرر أن نخوض العولمة والدخول في منظمة التجارة العالمية، ودخلنا مع كل دولة في مفاوضة مستقلة فتنازلنا شيئا فشيئا عما كان يخص المنظومة الصناعية ومن خطط متكاملة. ثم ما لبثنا أن ضيقنا الرداء على ذاك القطاع الصناعي، الذي افتخرنا به فألغي دور وزارة الصناعة من تراخيص وحماية واستثمار ومدن صناعية، ومن تمويل وتنسيق وإشراف تدرجا وأبحرنا إلى مجهول. لكن هذه المرة قررنا أن نعود لنبحر من معلوم إلى مجهول في رحلة عكسية إلى أن تقرر إلغاء الوزارة ودمجها في وزارة التجارة.
ثم قررنا أن ننشئ مدنا صناعية للصناعات المتوسطة جديدة في مناطق بعيدة عن المناطق السكنية غير متكاملة العناصر، فلم تأت بالمراد. وأردنا إنشاء الحاضنات الصناعية وتركت كما هي أفكارا على ورق. وأردنا إنشاء مدن جديدة في مناطق نائية متنوعة التوجه دون تخصص فبقيت تعاني. ثم وجدنا أن بدمج الصناعة مع التجارة لم تتحقق الأهداف المرادة واعتبرنا حينها أن لا وجود للصناعات المتوسطة والصغيرة بسبب حجمها بالقياس، فعهدنا لإدارة الملف بكامله إلى وزارة النفط. ثم قمنا بإلغاء دور الصناعات الصغيرة بالكامل وأوقفنا منح تراخيص المعامل، التي هي أساس انطلاقة أية صناعة، التي كانت تصدر عن طريق وزارة البلديات، فأصبحت معلقة لا هي هنا أو هناك.
ثم أخيرا أدركنا أن ذاك أيضا لم يكن حليف النجاح وعدنا إلى نقطة البداية بوزارة مستقلة، التي وضعت أيضا هي الأخرى برامجها للصناعات الضخمة بما أعلنته بمحافل بعيدة عن الصناعات الصغيرة والمتوسطة ولم تأت بخطط تكامل صناعي للتمكين. كما أقمنا وزارة للاستثمار إلا أنها تلك هي الأخرى جاء بناؤها وطموحها كبير فلم تنظر للصغير. ولكي نصنع حتى إبرة يجب علينا أن نبني على النجاح ونقيس عليه لا أن نبني ونهدم ثم نبني ونهدم كلما واجهنا تحديا، وألا نمسه ما دام ناجحا فلا نكون متطفلين، وأن نحول من تلك التحديات إلى قصص نجاح، وأن يكون عندنا صبر ونفس.
أن نحلم هو شيء طيب ورغم الإنجازات المتحققة من استثمارات كبيرة في صناعة البترول والغاز إلا أن الأحلام أكبر وهممنا وطموحاتنا عنان السماء، وجلَدنا باق كما جبل طويق، ومصرون على النجاح. وما علينا إلا أن ندرك أن الصناعة هي ما جعلت الأمم تتوفق؛ ولأنها وليدة الحضارة بكامل مكوناتها وإنجازاتها. ولكي تتحقق الصناعة ما علينا إلا أن نحلم ونستفيد من تجاربنا وما حققته الأمم من غيرنا وكيفيته لنتفوق. وما علينا بالإضافة إلا أن نهتم بالصغير منه قبل الكبير ونتكاتف ولنقرأ كلنا من ذات الصفحة والسطر ونكتب المستقبل بأيدينا وبسواعد أبنائنا ليصبح الكل بالنهاية من الواقفين بعد الجدار كاسرين حاجز الخوف ولنصنع حتى الإبرة.
@SaudAlgosaibi


