والمتأمل لحال البعض منا أنه قد يبدأ يومه في الصباح الباكر معكر المزاج حين لا يتغافل عما يحصل له من أخطاء من بعض قائدي المركبات. والواقع أن (القيادة الوقائية) هي شكل من أشكال التغافل المفيد، بل هي مثال على أن العمل بها ينقذ أرواحا من التهور. وأما الحقيقة أنك لا يمكن أن تصلح قيادة الجميع أو كل الناس فلست عليهم بمسيطر.
وتخيل معي لو أننا ندقق على كل كلمة تخرج من زميل أو صديق أو زوج، فهل سنعيش براحة؟ بل ستصبح المنغصات جزءا لا يتجزأ من ساعات اليوم، ومع التكرار تصبح عادة لا تنفك!
صحيح أن اكتساب عادة التغافل ليس سهلا؟ ولكنها ليست مهمة مستحيلة! بل منطقيا هي الحل الأكثر واقعية لأنه لا يمكن أن تخاصم كل من ترى من قريب أو عزيز أو ابن أو حتى من هم في الطرقات لأن الحياة بهذا الشكل تصبح دوامة لا تتوقف من العتاب والمشاكل. والأعمش قد قال: السكوت جواب، والتغافل يطفئ شرا كثيرا.
ومما قرأت أو سمعت منذ زمن في (فن التغافل) أن صلاح الدين الأيوبي كان سامرا مع أصحابه فبدر من أحدهم كلمة لا تليق فما كان من صلاح الدين إلا أن التفت برأسه إلى شخص آخر في المجلس وتحدث معه كأنه لم يسمع شيئا، وتجاهل تلك الكلمة!
وهذا الحديث يجرنا إلى ما يحدث وبكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي من كلمات لاذعة أو حتى مازحة قد تحدث أثرا أو خلافا أو هجرا وقطيعة! والمشكلة أن الرسائل المكتوبة قد توصل المعلومة بشكل خاطئ لأنه ليس فيها نبرة الصوت ولا لغة الجسد. بالإضافة إلى أن الكثير قد يخطئ في الأسلوب والصياغة والتعبير وهنا يأتي دور (التغافل). وقد قيل: إن التغافل عن الزلات من شيم الكرام، وحتى وإن كان صاحبك متصلا (Online) ولم يرد عليك!
ومن صور التغافل التي سنواجهها ربما كل يوم أن بعضا من الأصدقاء أو الأقرباء أو الزملاء يكون عندهم طبع أو عادة متأصلة مثل: التأخير عن المواعيد أو الإهمال في السؤال والاتصال، وقد تكون حاولت مرارا ونصحت تكرارا فلم يتغير شيء! فهنا يكون من عين التغافل (والحكمة) ألا تكرر النصح أو الكلام، بل تقبله كما هو. والسبب أنه أنت أيضا كصديق أو كزميل أو كقريب فيك صفة أو صفات قد تقبلها الناس المقربون منك وتغافلوا عنها، ولكنك لم تشعر بذلك لأنهم لم يكرروا عليك النصح والكلام كما تفعل! ولا يعني ذلك ألا نتناصح فيما بيننا، ولكن هناك عادات تأتي مع بعض الشخصيات والتغافل عنها هو الحل الأمثل في هذه الحالات. والسبب الآخر: أن كثرة العتاب وعدم التغافل قد (تخنق الآخرين) وربما يكون لديهم ردة فعل معاكسة فيبدؤون بهجرك تدريجيا. ويُروى عن الإمام الشافعي أنه قال: «إذا كان لك صديقٌ فشد يديك به فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل».
وخلاصة القول، إذا كنت تحسن فن التغافل فتشبث به، فأنت في نعمة يغبطك عليها كثير من الناس!
abdullaghannam@



