فالتاريخ يقول للبشرية قولاً لا لبس فيه ولا تعقيد: كل احتلال سوف ينتهي فلا ديمومة لأمر يخالف الطبيعة ويناقض الواقع. فقد أنبأنا (الأستاذ) تاريخ بأن نابوليون بونابرت انسحب من العالم العربي، وأمست الشمس تغيب عن بريطانيا العظمى بعد أن كانت عنها لا تغرب ولا تغيب، وجرت الولايات المتحدة الأمريكية أذيال الانسحاب من فيتنام، ومن أفغانستان مؤخراً، وإيران الساسانية احتلت العراق ثم أخرجَت منه مخزية، وشاه إيران إسماعيل حاول السيطرة على العراق وخاب وخسر كعادة مَنْ يتحدى الناموس الدنيوي، واحتلال إيران الحالي لعواصم عربية لن يُستثنى من سنة الله، التي لا تتبدل ولا تتحول، فهو إلى زوال وخسران مبين.
وفي مثل هذا يتحدث الكاتب البرتغالي الراحل جوزيه ساراماغو الحائز على جائزة نوبل في رواية (انقطاعات الموت) عن انقطاع الموت، وكيف يتحول حلم الخلود، الذي راود الإنسان إلى كابوس، إذ لا بد لهذه الأجسام الفانية، التي ترهقها السنين من موت لتستمر حياة آخرين، وكذلك الأيام والتاريخ، فالأيام دول والدول أيام، إذ لا بد من ماضٍ وحاضر ومستقبل؛ إلا أن مقولة (التاريخ ينقطع ولا يكرر نفسه) مقولة غير دقيقة، وذلك لأن العناصر، التي تجري عليها أحداثه باقية لا تتغير؛ أرض وبشر ودول بكل أطماعها التوسعية أو عدم اعتبارها بتجارب دول وأمم أخرى قادتها أحلامها، التي تفوق أحجامها وفهم سنن الكون إلى حتفها.
وانطلاقاً من دستور اليونسكو القائل: «لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام»؛ على الإنسانية أن تتخلص من وهم حكم الآخر، وأن تحترم استقلال وسيادة الدول والشعوب والأمم، وأن تحيي جذوة التعاون المشترك لخدمة البشرية، ففكرة احتلال البشر والدول لفظها التاريخ مئات المرات، وأظهرت فشلها التجارب، لتثبت لبني البشر أن التعاون المشترك والتعارف والبناء والتكاتف هو الهدف من اختلاف الأمم والدول وليس الاحتلال وقهر بعضها البعض، واستلاب مقدراتها وإذلالها وإطالة عذاباتها، وامتثالاً لقول الله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون)، وقوله عز وجل: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).
@falkhereiji



