النوع الأول: ذلكم الصنف من المعلمين المتعاون، المبادر، المتفائل المثابر، المبدع الذي يطور ذاته وقدراته، وينمي علومه ومهاراته، يرنو بعينيه للعلو، ويتطلع دومًا للسمو، محبا لمهنته، موقنا برسالته، وهذا النوع هو الذي نريد، إذ به تكون النهضة والتطوير والتجديد.
وأما النوع الثاني: فهم المثبطون، الذين لا يرون في مهنتهم إلا الجانب المادي، فإن أُعطوا منها تهللوا فرحا ورَضوا، وإن لم يُعطَوا منها تجهموا وتسخطوا، فهؤلاء يدورون مع المنفعة حيث دارت، تدلك عليهم كلماتهم، وتُنبيك عن صفاتهم فعالُهم، فتجد الواحد منهم كسولا متأففا، ملولا متضجرا، إن رأى منفعة قام إليها وهش، وأقبل عليها مُرحبًا وبش، وهو إن حاول تجميل صورته، إلا أن فعاله وأقواله تنبيك عن طويته، يصدق فيهم قول زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خَالها تَخفى على الناس تُعلمِ
إن المعلم، الذي نرجو هو ذلكم المعلم المبدع، الذي يمارس عمله برغبة وحب شديدين، فهو وحده القادر على العطاء، أما غيره فلن تسمع منه إلا التأفف والشكاية، وشتان ما بين الجليسين، جليس يُؤنسك رأيه ويُبهجك اقتراحه، وجليس يُبئسك -من البؤس- لفظه وتُؤذيك قِراحه، فاحرص عزيزي المعلم أن تكون الأول ودع التواني، واربأ بنفسك أن تكون الثاني.
عزيزي المعلم كن مشاركًا وفاعلًا ومبادرًا، وإن رأيت في نفسك أحيانًا تثاقلًا فكن مجاملًا، فإنما الصبر بالتصبر والحلم بالتحلم، والنفس تحتاج لمَنْ يأخذها برفق ولين، فدربها على الحب والعطاء، وعودها الجود والسخاء، حتى يُصبح ذلك لها خُلقًا وسجيةً.
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم
وليكن التجديد والابتكار لك شعارًا، فإنهما يحفزان على العمل ويضمنان نجاحه واستمراره، ولا تكن نسخة من معلم العام الماضي في أسلوبك وثقافتك ونمط حياتك وتفكيرك وطرائق تدريسك، فأنت مع كل يوم جديد معلم جديد.
لا تسخطن على عملك، ولا تلومن قدرك، ولا تقل لو عادت الأيام ما اخترت هذا المقام، فعملك -بلا مجاملة- من أجلّ وأشرف الأعمال، فكم من داعٍ إلى الخير يقبل على الناس لكنهم عنه يدبرون؟ وكم من ناصح ينصرف بنصحه إلى قومه لكنهم عنه ينصرفون، أما أنت فالآباء يدفعون إليك بفلذة أكبادهم لتعلمهم وتبصرهم، فخذ بأيديهم إليك، واجمع قلوبهم عليك، وكن بهم رحيمًا تجدهم مقبلين، واحنُ عليهم تجدهم منصتين، ولا تقسُ فيولوا عنك مدبرين، فما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيءٍ إلا شانه.
تعهد بالرفق غرسك، ولا تتعجل بالمنجل ثمرك، فيتلف زرعك ويضيق صدرك، فإن المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، عجيب أمر ذلك الفلاح، يمهد الأرض فيحرثها، ويلقي البذور ويغرسها، ثم يتعهدها لتشق في السماء طريقها، ويدفع عنها طفيلات النباتات التي تعوق نموها، ينافح عنها ويذود؛ حتى تشتد ويقوى العود، ووقت الحصاد يُنسى السُّهاد، وعند الصباح يحمد القوم السُرى، فأخلص لله العمل، ولا تقطعن وشائج الأمل، واعلم علم اليقين أن الله لا يضيع أجر المحسنين.



