تابع العالم يوم الأحد 11 أبريل 2012م التصريحات التلفزيونية للمدعو «بهروز كمالوندي» المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وهو يرقد على السرير في أحد المستشفيات، وقد كان على وجهه قناع الأوكسجين، وظهرت ضمادات في أعلى الوجه، الرجل قال باللغة الفارسية «إن معركة طهران مع العدو مستمرة، وإيران هي من ستنتصر في النهاية.» وكان النظام الإيراني قد قال في وقت سابق إن العملية التي تعرض لها المفاعل النووي في منطقة نطنز محدودة ولم ينتج عنها أي إصابات بشرية، كما لم يحدث أي تسرب إشعاعي نووي. بقية القصة التي فبركتها أجهزة الإعلام الإيرانية تحدثت عن إخراج آخر لحكاية إصابة كمالوندي وهو أنه أصيب عندما ذهب لتفقد المنشأة بعد العملية الهجومية، وأنه أثناء ذلك سقط عليه سقف معلق وتعرض لبعض الإصابات لذا نقل للمستشفى لتلقي العلاج. حالة الارتباك الإيرانية هذه والتي تبين حالة من الانكشاف التام للمشروع النووي الإيراني، وتنذر -وهذا هو الأهم- بأخطار قد تتجاوز الحدود الإيرانية لتطال دولا لا ناقة ولا جمل لها في هذا العبث المستمر. أقول ذلك وقد بلغت حالة التحدي للمشروع الإيراني درجة متقدمة، وباعتراف الإيرانيين أنفسهم أن هناك حالة اختراق كبيرة في الداخل الإيراني منذ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن رضائي العام المنصرم في وضح النهار، وفي أحد شوارع العاصمة طهران.
الشيء الآخر أن الهجمات على منطقة نطنز التي تضم أكثر من مفاعل نووي مخبأة جميعها تحت الأرض، والأجهزة الإلكترونية التي تديرها معزولة تماماً، ولا تتصل بشبكة الإنترنت الدولية، ومع ذلك تعرضت مجدداً لهجوم سيبراني عنيف. يقال في العادة إن نسبة من يمكن أن يتعامل مع العدو، أو الطرف الآخر في داخل أي مجتمع قد يصل إلى الثلث من مجموع السكان العام، خاصة عندما يكون المجتمع مصابا بأمراض مثل انتشار المخدرات، والبطالة، وعندما تسود في ذلك المجتمع درجة منخفضة من العدالة الاجتماعية، وتغيب فيه بشكل واضح الحريات الأساسية للتعبير، والمشاركة. وهذه الصفات تقريبا تنطبق على المجتمع الإيراني اليوم ويزيد عليها أشياء أخرى تجعل المجتمع في حالة من فقدان الولاء للنظام السياسي، وفقدان شرعيته، وربما تدفع البعض للتعاون مع الآخر أيا كان ذلك الآخر.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الإعلام الإسرائيلي اعترف بشكل واضح بأن الهجمات السيبرانية على مفاعلات نطنز الإيرانية عمل استخباراتي إسرائيلي، وأن الموساد لن يمكن إيران من امتلاك القوة النووية، هذا الفهم ينقلنا في المنطقة إلى ساحة صراع بين قطبين الأول يسعى لامتلاك السلاح النووي لأهداف أيديلوجية بحتة، لا تخلو في بعض مساراتها من الرغبة في الانتقام، والاضرار بالآخرين، وبين قوة أخرى شعورها بالخطر والإلغاء جزء من فكرة الشخصية السياسية فيها. عندها تكون المحصلة عراكا بين قوتين الأولى جاهلة والثانية خائفة، وهذا يجعل المنطقة بكل مقدراتها، وشعوبها، وتنميتها، واستقرارها في موضع خطر دائم.
في مطلع العام 2021م دعت الرئاسة الفرنسية إلى اشراك الطرف العربي – المملكة العربية السعودية – إلى ما يستجد من مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران والدول الأخرى حول الملف النووي الإيراني. وجاء الرد الجاهل والمتعالي من الجانب الإيراني برفض ذلك الأمر جملةً وتفصيلا. ولم يعد أحد إلى مناقشة تلك الجزئية إلى اليوم على الأقل بشكل علني.
الكل يدرك في المنطقة خطورة هذه التطورات، وخطورة أن يستمر العمل بين المتصارعين على أمن المنطقة وكأنهم يؤدون لعبة فيما بينهم. مصيبة الطرف الإيراني التعامي عن حالة الانكشاف التي يعيشها، وعن حالة الاختراق الواضحة التي تحل به، وكأن عرض إسرائيل عشرات الآلاف من الصفحات السرية للمفاعلات النووية الإيرانية على أجهزة الإعلام العالمية أمر لا يعني طهران، ولا يعني بدرجة ثانية القوى الاستخبارية التي تعمل معها على حماية مقدراتها النووية وأعني بذلك روسيا. يجب أن يتحرك المجتمع الدولي إلى الأمام ليبين للقوى الإقليمية أن أمن دول المنطقة ليس محل تجريب، أو سباق أعمى نحو القوة النووية محكوم بالفشل.
@salemalyami