تأمل قصة قابيل وهابيل وكيف أن المقارنة جعلت أحدهما يحسد الآخر ويقتله، وأنا عشت قصصا كثيرة في كره الأبناء لبعضهم بسبب المقارنة بين الإخوان، وقصصا أخرى لحالات الطلاق بسبب المقارنة مع من حولهم، فالمقارنة مرض اجتماعي ما لم يتم التعامل معها بطريقة صحيحة تكون سببا في تدمير نفسية المقارن، والتعامل الصحيح مع المقارنة بأن يقارن الإنسان نفسه بنفسه، فيحرص أن يجعل يومه خيرا من أمسه، وأن ينافس نفسه ولا يركز على منافسة الآخرين حتى لا يتعب نفسه، ويكون همه أن يكتشف الكنز الذي بداخله حتى يعيش سعيدا وراضيا وقنوعا فهذه هي المقارنة الصحيحة.
وإذا وقعت في فخ مقارنة نفسك بالآخرين فحاول أن تستفيد من هذه المقارنة بأن تجعلها وسيلة لإلهامك بأفكار ومشاريع جديدة تستفيد منها بتطوير ذاتك، ولعل شبكات التواصل الاجتماعي عمقت وزادت من مرض المقارنة عندما ينظر الإنسان إلى غيره كيف يعيش ويأكل وينام ويسافر فيتمنى أن يكون مكانه ويعتقد أن ما يشاهده عبر الهاتف هي حقيقة حياة الآخرين بينما هي لحظة من حياتهم وربما الحقيقة شيء آخر لم يشاهده فتكون المقارنة في هذه الحالة ظالمة وخاطئة،
ورسولنا الكريم وجهنا لنوعين من المقارنة، الأولى المقارنة في أمر الدنيا وزينتها، والثانية المقارنة في أمر الدين وأحكامه فقال عليه السلام (انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، لئلا تزدروا نعمة الله عليكم)، فالإنسان إذا قارن نفسه بمن هو أقل منه بالمال والصحة والولد والعائلة وكل متاع الدنيا وجد نفسه يشكر الله على نعمه ويحمده عليها، أما لو قارن نفسه بمن هو أعلى منه بمتاع الدنيا دخل بقلبه الحسد وشعر بالألم، أما في أمر الدين فيفضل هنا أن يقارن نفسه بمن هم أفضل منه حتى تكون المقارنة سببا في زيادة أعماله الصالحة، ولا يقارن نفسه بمن هو أقل منه التزاما بالدين فيقتنع بأعماله ويخرج من حلبة المنافسة (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
وإذا أردت ألا تكون تعيسا بسبب مقارنتك للآخرين فالحل أن تكون قنوعا بما عندك وراضيا بما قسم الله لك، لأن كل قدر يقدره الله فيه خير لك، ولو حصل لك حدث مثل الطلاق أو رزقت بطفل بطيء التعلم أو خسرت بتجارتك أو فقدت والديك أو ابتليت بمرض فانظر لهذه الأحداث بعين الرضا والإيمان واحتسب الأجر فيها، ولا تجعل هذه الأحداث سببا في مقارنتك للآخرين، فالله تعالى كما يقسم الأرزاق بين الناس يقسم الأحداث والآجال بالعدل والتساوي، فلو أعطى لشخص نعمة يحرمه من نعم أخرى، ولو حرمك من نعمة فإنه يعطيك نعما كثيرة يعوضك بها وهكذا فكن راضيا مطمئنا.
@drjasem



