أعادتني هذه القصة إلى طبيعة العلاقات بين البشر عموما الزوج والزوجة الأب والأبناء الإخوة والأخوات الرفاق والأصدقاء.
قدمت الأم إلى غرفة الفحص لدى الأخصائي النفسي يجلس طفلها على كرسي متحرك، يبلغ من العمر ٣ أعوام إلا أن جسمه النحيل لا يشير إلى هذه المرحلة العمرية، واهن البنية متقوقع على نفسه، يتشبث بأمه، هي العلاقة السوية الوحيدة التي وجد معها الأمن، الطفل مصاب بشلل دماغي ترتب عليه شلل رباعي أفقده الحركة والنطق، كانت الأم تجهش بالبكاء ليس لإصابة ابنها بقدر بكائها على تعاستها في علاقتها الزوجية، زوج مغيب بسبب الخمر وعندما يفيق ما يلبث أن يحمل الطفل -طفله- ثم يضرب به الحائط، كانت تغالب دموعها وهي تروي هذه القصة الأليمة، أي علاقة تلك؟!.
تشير دراسة أجريت في جامعة هارفارد استغرقت ٧٥ سنة وتعاقب عليها أجيال من الباحثين والبشر، كان الهدف منها التعرف على العلامة الفارقة في حياة الناس بعد السنين الطويلة هل هم الأموال والأولاد والمناصب والشهرة؟ أم عوامل أخرى؟ اكتشف الباحثون أن العلامة ذات الدلالة الأكبر في صحة الناس النفسية والجسمية، وطول أعمارهم ومدى سعادتهم وقدرتهم على مقاومة الأمراض والأحزان والشيخوخة، هي وجود علاقات طيبة في حياتهم علاقات إيجابية، فيها حب فيها قرب فيها تراحم وتفاهم علاقات كان الطرف الثاني فيها متاحا وموجودا دائما في معظم الأوقات الصعبة.
وعلى النقيض وجد أن الذين يفتقدون هذه العلاقات كانت أعمارهم أقصر، ونسبة إصابتهم بالأمراض المختلفة أعلى، وقدرتهم على تحمل الألم النفسي والجسدي أقل،
بعد عدد من الجلسات عادت العلاقة بين الأب والأم إلى وضعها الصحيح، لا أنسى أبدا عندما تحدثت إلى هذا الأب الذي كان مغيبا وقلت له: ترى هل يمكن أن يكون ابنك هذا طريقك للجنة؟.
فانخرط في بكاء شديد وأصبح حريصا كل الحرص أن يحضر كل الجلسات برفقة زوجته.
عندما تعاد العلاقة إلى مسارها الصحيح، تتعدل الكثير من الأخطاء في حياتنا. أهم علاقة بين هذه العلاقات هي العلاقة بين الزوجين، حيث يغلفها الحب والرحمة والمودة. العلاقة مع الأبناء وإشباع رغباتهم من الحب والتواصل والتفاهم. العلاقة مع الدائرة القريبة الإخوة والأخوات. صلة الرحم التي أخبرنا الله -سبحانه وتعالى- عن أهميتها في قوله: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم).
الفساد في الأرض مقرون بقطيعة الرحم. هيا بنا نعيد حساباتنا مع الله سبحانه وتعالى ثم مع ذوينا أحبابنا وأولادنا.
لم تكن هناك علاقات سوية دائما بدون التسامح، والناجحون في هذه الحياة يتميزون بحالة عامة من السلام النفسي الداخلي تمنحهم قدرة على التعايش باسترخاء ذهني وجسدي متوازن، ومن بين أهم معوقات النجاح هو تضخيم مشاعر الكراهية والرغبة في الانتقام والانشغال بالإساءة وردها، وصدق الله العظيم القائل في كتابه (ادفع بالتي هي أحسن) منهج حياة لعلاقات سوية.
العلاقات الطيبة هي إكسير الحياة وهي الترياق الوحيد ضد الذبول الروحي والموت النفسي.



