ليس من السهولة القبول بلبنان الوديع بكل حضوره التاريخي والحضاري أن يكون عنوانا لمثل هذا الاضطراب والفراغ السياسي والاقتصادي، وقد قال الشعب كلمته في خروجه الأنيق ضد الفساد والتجويع والتضييق على الناس في معيشتهم فانتهت حكومة وجاءت أخرى مؤقتة ثم أخرى وبدا الأمر وكأنه دوامة إلى أن استقر الحال الآن بعد ضغوط الرئيس الفرنسي إلى عودة الأمور إلى مربعها الأول بتكليف سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة.
الذي يحدث هو تماما مثل ترميم أفلام «نتفليكس» ولا يتوقع أن يستقر الحال لأن الطبقة السياسية الحاكمة لا تزال على السطح بكل خيباتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وأيضا مع انقسامات سياسية حادة فيما لا يزال الشارع اللبناني غير راض عن كل أفراد هذه الطبقة التي يستوطن عقلها السياسي محاصصات غير واقعية تظل تهدد لبنان إلى أن يعود كل شيء إلى الطائف.
تكرار الحريري في رئاسة الوزراء طبيعي في وضع غير مستقر لكنه غير طبيعي في السياق السياسي العام، وذلك هو اللامعقول في بلد أنتج كثيرا من السياسيين العظام الذين يتداولون السلطة في ظروف معقولة دون مزايدات أو مشاحنات وكيد سياسي، لذلك الوضع القائم يتحمل ويحتمل عودة الحريري ولكنه لن يكون بمنأى عن تكرار مرارات ما قبل الحراك الشعبي، وهو قد أعلن أنه سيشكل حكومة مؤلفة من «اختصاصيين من غير الحزبيين مهمتها تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية الواردة في ورقة المبادرة الفرنسية التي التزمت الكتل الرئيسية في البرلمان بدعم الحكومة في تطبيقها».
ولعل عبارة من غير الحزبيين هي مربط الفرس، لأنها تتجاوز مضايقات وعراقيل حزب الله إن أراد أن يمارس دورا وطنيا يفك الخناق عن الشعب ويمنحه الأمل في عودة بلاده بعيدا عن التقطيع العقدي والمزايدات السياسية التي ينجح فيها حزب الله ويدخل معها البلاد في النفق المظلم، وهناك عبارة مهمة ولافتة في حديث الحريري بقوله «سأنكب على تشكيل حكومة بسرعة لأن الوقت داهم والفرصة أمام بلدنا هي الوحيدة والأخيرة».
وهذه الفرصة الوحيدة والأخيرة تبدو آخر أمل للبنان في أن يمضي ويعود إلى جماله وهدوئه واستقراره الذي أراقته الطوائف والطائفيون في حروب عبثية، ومضايقات لا طائل منها غير أنها جلبت الدمار والخراب لهذا البلد الذي يستحق أن يكون بحال أفضل بتجريده من العامل التخريبي وتحييده في المعادلات السياسية والأمنية والاقتصادية، ودون ذلك من الصعب أن نرى فيلما في «نتفليكس» يتنقل بين شواطئ لبنان وجباله ومزارعه الخضراء.
@sukinameshekhis



