LamaAlghalayini@
إذا فكرنا في الناس الذين نعرفهم ونراهم بانتظام، فلا بد من أن نعترف بأنهم في غالب الأمر لطفاء وموثوقون اجتماعيا، ويتعاملون بتهذيب، لكننا نلمح بين حين وآخر سلوكيات تبدو متناقضة مع النهج العام لشخصياتهم، ويظهر ذلك في صور شتى، فنرى أحدهم ينتقدنا فجأة، أو يقيم عملنا أو شخصيتنا بجفاء كبير، ويبدو بعيدا جدا عن اللطف في بعض المواقف، أو لعلنا نسمع بتعامل أحدهم البشع خلف الأبواب المغلقة مع عائلته أو موظفيه والعاملين لديه، أو نراه فجأة يقوم بعمل متهور يجعل حياته المهنية في خطر، أو منقادا لعلاقة بعيدة الاحتمال تزلزل كيانه العائلي بقوة، وما نلمحه في تلك اللحظات إنما هو الجانب المعتم لطباع أولئك الناس، وما يدعوه عالم النفس الفذ السويسري كارل يونغ باسم (الظل) أو «النفس الخفية» وهي الجزء غير المصقول من الفرد والذي يجب أن يراه ويعترف به لكي يكون متكاملا ذاتيا. ويحتوي جميع الخصال التي يحاول المرء أن ينكرها في نفسه، ويكون هذا الكبت عميقا جدا ومؤثرا حتى أن المرء لا يدركه في الأغلب، فهذا الظل يعمل في العقل الباطن، ويمتلك كثافة وعمقا تتناسب مع مستوى الكبت الممارس عليه، وعدد الخصال التي يحاول إخفاءها، لأن ما تقاومه في الحياة يميل لأن يستمر ويصبح أقوى. وإذا كنت تقاوم الجانب المظلم، يصبح أكثر صلابة. فهو يستلقي مطمورا في أعماقنا، لكنه يستيقظ وينشط في لحظات التوتر، أو عندما تتحرك بداخلنا مخاوفنا وجروحنا القديمة، ويزداد ميلا للظهور إذا ازداد الإنسان في العمر، ويعجز عن كبح جماحه، ففي طور الشباب يبدو كل شيء مثيرا، ومن ذلك الأدوار الاجتماعية المختلفة التي عليه أن يؤديها، لكنه مع تقدمه في العمر ترهقه الأقنعة التي كان يرتديها، فيزداد تسرب الظل منه، وبما أننا نادرا ما نرى هذا الظل فسيظل الناس الذين نتعامل معهم غرباء عنا بعض الشيء، والأمر أشبه برؤيتهم بصورة مسطحة ذات بعدين، فنرى بداية الجانب الاجتماعي البهيج فيهم، لكننا إذا عرفنا ملامح ظلالهم تصبح صورتهم حية ثلاثية الأبعاد، وتعد هذه المقدرة على رؤية الناس بزاوية مستديرة خطوة جوهرية في معرفتنا بالطبيعة البشرية، فإذا تسلحنا بهذه المعرفة أمكننا أن نتوقع سلوك الناس في لحظات التوتر، ونفهم دوافعهم المستترة، ولن تتمكن ميولنا الدفينة لسحبنا لهاوية الانهيار النفسي.
وينشأ الظل في سنواتنا الأولى في الحياة، من قوتين متضاربتين بين السلوك المقبول والمرفوض اللذين لا نعرف التفريق بينهما، ومحاولتنا كأطفال لاحتكار اهتمام أبوينا، وما نشعر به من الغيرة والأنانية عند خيبة توقعاتنا، وربما تحول الأمر إلى المكر والخداع لتحقيق غاياتنا، حيث يمر الطفل بطيف كامل شاسع من العواطف، ويعتمد كل الاعتماد على برمجة والديه وجهده لإرضاء رغباتهم وطموحاتهم، فإذا كبرت سنه انتقلت هذه الضغوط لجبهة أخرى تمثلت في معلميه وأقرانه، وشعوره بضرورة التلاؤم الاجتماعي، فيتعلم قمع طبيعته وكبح الجانب المعتم اللا متوافق مع المحيطين، ولكن جزءا كبيرا من شخصه المقموع ينتقل من طبيعته الخارجية ليقبع في الظلام، فينتهي الأمر بافتقاد العنفوان الذي مررنا به في طفولتنا وترانا نميل لاسترداده سرا بطريقة أو بأخرى وبأساليب ليست موفقة دوما، فإذا راكمنا الكثير من آلام الاستياء بداخلنا وحاولنا جهدنا لإخفائها عن الآخرين ستزداد كثافة الظل واستنزافه للكثير من طاقتنا في محاولة منا لإخفائه والظهور بمظهر الشخص اللطيف المتماسك، ولا يمكن لذواتنا أن تتعافى أو تكتمل حتى نعترف بذلك الجانب، حيث تستهلك مخاوفنا وأفكارنا السيئة الكثير من طاقتنا، فيغدو الظل بحاجة لإطلاق شيء من التوتر الداخلي نحو البيئة الخارجية، ولا يكمن الحل في أن نزداد كبتا ومثالية، أو تبني الاتجاه المعاكس بإطلاق ظلك بفجاجة لمواجهة محيطك، فذلك سيعود بالضرر عليك، وقد يبدو العلاج الأول في شجاعة الوعي الذاتي لتمكينك من إيجاد طريقة تدمج بها جانبك المعتم مع الجانب الإبداعي، فقد ربط يونغ معرفة حقيقة النفس الخفية بالإبداع، لأن ذلك يحررنا من مخاوفنا، وإلى فك القيود التي تسيطر على أفكارنا وإنجازاتنا، فالاعتراف بالنفس الخفية يساعدك في السيطرة على جميع الجوانب السلبية من شخصيتك، وعندها ستصبح شخصا أكثر هدوءا وستستفيد من الطاقات المودعة في أعماقك.
LamaAlghalayini@
LamaAlghalayini@



