ليست المرة الأولى التي أكتب فيها عن البلد العربي الشقيق العراق. وأذكر آخر مرة كان لي مقال حول العراق، وعلاقاته مع المملكة في ضوء زيارة دولة رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي للرياض، تلك الزيارة التي أجلت حينها. المقال كان بتاريخ الأول من شهر أغسطس 2020. وبعد حراك دبلوماسي عراقي عربي سعودي دولي، أعود اليوم للكتابة من جديد حيث يستحق المقام وأعني به مقام العلاقات السعودية - العراقية، وأيضا العلاقات العراقية - العربية.
أكتب هذه المرة في ظل مجموعة من المعطيات السياسية، والموضوعية، منها الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأبعاد هذا اللقاء من حيث وضع العراق في المنطقة، والنظرة الأوسع لتطورات سياسية مرتقبة تلي الزيارة تختص بعلاقات العراق ودول عربية أخرى، ثم مقاربة البعد الإيراني في الحالة السياسية والاجتماعية والأمنية العراقية، ونقاط التقاطع ونقاط الخلاف. اللافت في هذه الزيارة أن الجانب العراقي تعاطى مع الصحافة العالمية في إحدى الجزئيتين اللتين ذكرتهما وهما جزئية المنظور لمستقبل العمل العربي عندما أعلن عن تطورات لشكل جديد من العمل السياسي والاقتصادي العربي المشترك. الجزئية الأخرى تتعلق بما بعد الزيارة لواشنطن وما تلاها من لقاءات مصرية - عراقية - أردنية، وكان هناك إعلان ختامي مهم لهذه اللقاءات تضمن أمرين اثنين، الأول شكوى الدول العربية من التدخلات الخارجية الإقليمية وضرورة مقاومة تلك التدخلات، العنصر الآخر طرح مسارات ملموسة للتعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد، والبحث عن صيغ جديدة للتعاون والتكامل الاقتصادي العربي. كل هذه المراوحات جعلت رياحا جديدة من التوافق، والتواؤم العربي تهب على المنطقة. يضاف إلى ذلك كله عنصر مهم جاء كخطوة سياسية ودبلوماسية سعودية ناجحة تمثل في زيارة وزير الخارجية السعودي لبغداد مؤخرا. الأمر الذي أكد حرص المملكة على استمرار تطوير العلاقات مع العراق، الشيء الآخر أن الجانبين بدآ في مناقشة الأمور الأكثر فائدة وأهمية للناس بعد أن تمت التمهيدات السياسية والدبلوماسية للموضوع. فكانت هناك أحاديث حول فتح المعابر، والبدء بتفعيل الحركة التجارية بين البلدين، ولم تغب عن الموضوعات المطروحة، قضايا الطاقة والتعاون في هذا الميدان.
هذه الصورة تؤسس لجهد عربي يحاول إصلاح المنظومة السياسية العربية، وفي ذات الوقت يجب ألا يغيب عن الذهن ضرورة العمل على استعادة الدول العربية الموسومة بالفشل إلى حظيرة العمل العربي الإستراتيجي المشترك من خلال تقديم المساعدات الضرورية التي تؤمن أدنى حدود العمل الجماعي وتزيل عن هذه الدول شبح التفكك والعجز، قد يقول قائل إنها مهمة صعبة، وهذه كلمة حق يراد بها حق، مما يضع أمام اللاعبين الحاليين ضرورة التحلي بالصبر والعمل الدؤوب وبث روح جديدة وحية في مسارات العمل العربي المعطل في أوجه كثيرة مع الأسف.
المهم في رأيي وفيما يخص الحالة العراقية أن هناك متغيرات جديدة على الساحة تنبئ عن إمكانيات حدوث تطورات مهمة في المشهد السياسي العربي العام. منها أن هناك رغبة عراقية وطنية خالصة تنزع إلى الحد من النفوذ والتدخل الإيراني في الشأن العراقي، يقابل هذه الرغبة العراقية حرص سعودي عربي على مساعدة العراق للتخلص من هذا الوضع. ما أتوقع أنه يجب معرفته للجانبين العراقي والعربي فيما يتعلق بهذه الجزئية أن الموضوع لن يكون سهلا ويحتاج لعمل، وصبر من الجانبين لأن جوهر العملية صناعة تغيير وهذا أمر يستغرق الكثير من الوقت والعمل، لا يتم النجاح فيه عادة إلا بتبادل منافع حقيقية للعلاقات تمس المجتمع والناس وتساعد في خلق رأي عام جديد في الأوساط السياسية والشعبية.
العراق والعرب هي العلاقة الطبيعية التي وإن تأخر بروزها على واقع الأحداث العربية، فلا بد أن تبرز يوما، والتدخل الإيراني في العراق، وفي غيرها من الدول العربية هو الاستثاء الذي ستلفظه عربة البناء السياسي العربي. المهم أن تنطلق عربة البناء وتعالج كل معضلات التدخل في الشؤون العربية، كل حالة لوحدها.
salemalyami@