ووجدت الأبحاث، التي أصدرتها شركة أوبن إيه آي OpenAI، التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقرا لها، أن جي بي تي-3 يمكنه حل أسئلة القياس من اختبار سات SAT القديم (وهو اختبار أساسي للالتحاق بالجامعات الأمريكية) بنتائج أفضل من مستوى الطالب المتوسط المتقدم للكلية، كما يمكنه توليد مقالات إخبارية قد يواجه القراء صعوبة في التمييز بينها وبين المقالات العادية التي يكتبها الإنسان.
أيضا يمكن لبرنامج الذكاء الاصطناعي القيام بمهام أخرى لم تخطر على بال مبتكريه أبدا، حيث اكتشف مختبرو الإصدارات التجريبية في الأسابيع الأخيرة أن الجي بي تي-3 يمكنه إكمال مذكرة استثمار، وإنتاج قصص وخطابات مكتوبة بأسلوب يحاكي طريقة المشاهير، وتوليد أفكار تجارية، وحتى كتابة أنواع معينة من أكواد البرامج بناء على وصف بسيط باللغة الإنجليزية يتم تقديمه لبرنامج الذكاء الاصطناعي حول المادة المطلوبة. وأعلنت شركة أوبن إيه أي أنه بعد فترة الاختبار، سيتم إصدار جي بي تي-3 كمنتج تجاري.
ويرمز اسم جي بي تي-3 إلى جملة Generative Pre-Trainer Transformer أي برنامج التحويل التوليدي مسبق التدريب للغة، وهو من الجيل الثالث.
وعلى غرار أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى اليوم، يعتمد الجي بي تي-3 على مجموعة كبيرة ومنظمة من الأوزان الرقمية، والمعروفة باسم «المعلمات»، التي تحدد طريقة تشغيل البرنامج. ويقوم مبتكر برنامج الذكاء الاصطناعي بتدريبه باستخدام مجموعات بيانات رقمية كبيرة، وفي حالة الجي بي تي-3، تم وضع نسخة منقحة من محتويات الويب، بالإضافة إلى بيانات موسوعة ويكيبيديا وبعض المصادر الأخرى. وعدد المعلمات هو مقياس رئيسي لقياس قدرة نموذج الذكاء الاصطناعي، ويمتلك الجي بي تي-3 مليارات منها، أي 100 مرة أكثر من برنامج الذكاء الاصطناعي السابق جي بي تي-2، وعشرة أضعاف برنامج تيرنينج إن إل جي Turing NLG أقرب منافس للجي بي تي-3، الذي تنتجه شركة مايكروسوفت Microsoft.
على الجانب الآخر، يمكن القول إن ابتكار الذكاء الاصطناعي مر بعدة مراحل من الضجيج والكساد من قبل، ولكن ورغم ذلك ما زال هناك فضول ينتابني حول كيف يمكن لهذا البرنامج تغيير عالم الكتابة. لذا حاولت اختبار التكنولوجيا الجديدة بنفسي في موقع سيمبليفاي simplify، الذي يتيح للمستخدمين إدخال نص باللغة الإنجليزية حتى يقوم الجي بي تي-3 بتبسيط اللغة لهم، وحصلت على تجربة أولية لاكتشاف قدرات البرنامج الجديد.
وقمت بنسخ ولصق الفقرة الأولى من خطاب الوداع لجورج واشنطن عام 1796 على الموقع، التي تقول: «إن عصر الانتخابات الجديدة، التي يتاح فيها للمواطن اختيار إدارة الحكومة التنفيذية للولايات المتحدة ليس بعيدا، وقد حان الوقت فعليا الذي يجب فيه مراعاة آرائك كمواطن وأخذها بعين الاعتبار عند تعيين الشخص الذي يستحق تلك الثقة المهمة، وهذا الأمر يبدو مناسبا لي، خاصة أنه قد يؤدي إلى تعبير أكثر وضوحا عن صوت الشعب، ويجب أن أطلعكم الآن على القرار الذي قمت بالوصول له، وهو أنني أرفض اعتباري واحدا من الأشخاص الذين يتم الاختيار بينهم».
ونتيجة لإدخالي لهذا النص أعطاني الجي بي تي-3 خلاصة لترجمة معنى الخطبة باختصار قائلا: «لن أترشح للرئاسة».
وحصلت على ملخصات مقنعة بالمثل عندما أدخلت نص التعديل الأول للدستور الأمريكي ومقالات أخرى. وهنا تساءلت عما إذا كان الجي بي تي-3 يقوم ببساطة باقتباس مفهوم اللغة من مواقع الويب، لكني لم أجد أي دليل على ذلك.
ومع ذلك، عندما أعطيته السطر الأول الشهير من رواية «برايد آند بريجيدس Pride and Prejudice» للكاتبة جين أوستن Jane Austen، الذي تقول فيه: «من المعروف على مستوى العالم، أنه إذا كان هناك رجل عازب يمتلك ثروة جيدة، فسيكون بحاجة إلى زوجة»، احتار برنامج الذكاء الاصطناعي في البداية، وخلال محاولاتي الأربع الأولى، كانت بعض إجاباته نوعا ما قريبة من المعني ولكن دون أن تكون على صواب. فعلى سبيل المثال، قال لي خلال تلك المحاولات: «إنه إذا كان هناك رجل لديه الكثير من المال فيجب أن يبحث عن زوجة»، ثم في محاولتي الخامسة، بدا أنه كسر الحاجز وتوصل للفهم العميق للجملة وقال: «إنها حقيقة معترف بها عالميا، أن الرجل العازب الذي يتمتع بثروة كبيرة يجب أن يكون بحاجة إلى زوجة، لأن الرجال يحبون العبث للغاية ويريدون أن ينظر إليهم على أنهم أثرياء، والنساء جشعات للغاية ويردن أن ينظر إليهن على أنهن جميلات».
وأخبرتني شريا شانكار Shreya Shankar، مهندسة التعلم الآلي في شركة فايداكت Viaduct للذكاء الاصطناعي، أن المستخدمين الأكثر تقدما يمكنهم تعليم النظام القيام بمهام جديدة من خلال تقديم أمثلة له، وغالبا ما يكون مطلوبا عدد قليل من هذه الأمثلة. وعن طريق استخدام هذا الأسلوب، يتقن البرنامج مستقبلا القيام بهذه المهمة.
على سبيل المثال، عندما أرادت شانكار من الجي بي تي-3 ترجمة المعادلات من اللغة الإنجليزية إلى رموز الرياضيات، بدأت بإعطائها بعض المعادلات باللغة الإنجليزية ومكافآتها مكتوبة بالرموز.
وقالت السيدة شانكار: «في البداية، كان لدي مثالان أو ثلاثة أمثلة». وأضافت: «تمكنت من الحصول على معادلات أساسية مثل رموز X تربيع، وزائد 2X باستخدام الجي بي تي-3، لكن إذا أردت عناصر مثل التكاملات والمشتقات والسجلات، فأنا بحاجة إلى الحصول على أمثلة لها، وانتهى بي الأمر بإدخال أمثلة للبرنامج، وتعميمها جيدا بالفعل».
ورغم فوائد تجهيز الجي بي تي-3 بالأمثلة، إلا أنه يكون بحاجة لمساعدة الإنسان لفترة للفصل بين النتائج الجيدة والسيئة، بما في ذلك مشكلات النتائج العرضية والتحيز، التي يفهمها البرنامج من خلال تدريبه عبر الإنترنت.
وإذا كان السعر السوقي، الذي سيطرح به البرنامج مناسبا، فهناك فرصة جيدة لأن يدخل الجي بي تي-3 في مجالات كثيرة في حياتنا العملية. ويكتسب أهمية عند مجموعة من العاملين في مجال المعرفة، مثل: مراسلي الأخبار والمحامين والمبرمجين وغيرهم، ومن المرجح أيضا أن يؤدي إدخال أنظمة مثل الجي بي تي-3 إلى تحويل أنشطتهم من الصياغة إلى تحرير المقالات فقط ونشرها مباشرة. ومن الناحية الإيجابية، قد يزيل برنامج الذكاء الاصطناعي الجديد أكبر عائق أمام إنجاز العمل الكتابي، وهو ملء الورق الفارغ أو الشاشة الفارغة بموضوعات جديدة وأكثر ندرة. فهو أداة بسيطة بما فيه الكفاية لإنجاز العمل، حيث سيقوم المستخدم بالنقر المستمر فوق زر «إنشاء» في جي بي تي-3 حتى تظهر مادة مناسبة بمقدور المستخدم توظيفها جيدا في عمله.
ومع ذلك، فإن ملء الشاشات الفارغة بكتابات برامج الذكاء الاصطناعي يجبرنا على التفكير في مشكلة أخرى لا يمكننا حلها بمجرد تحرير المقالات بدون صياغتها منذ البداية.
فالطبيعة البشرية تعني غالبا أن الناس يكونون أكثر ميلا لاستخدام مخرجات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في عملهم، مثل نظام الملاحة عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، الذي بدأ كأداة فقط ولكنه قلل من مشاركتنا في تعلم فنون عملية التنقل، وقد تدفعنا برامج الذكاء الاصطناعي المولدة للغة بالفعل لتقليل عدد العاملين، ولكنها سرعان ما ستؤدي بنا إلى عدم التفكير والاعتماد كليا على تلك البرامج في إنجاز الأعمال.
وفيما يتعلق بإساءة الاستخدام المحتملة، أخبرني أحد ممثلي شركة أوبن إيه آي أنها تحظر استخدامات الجي بي تي-3، التي قد تسبب ضررا، بما في ذلك رسائل المضايقة أو البريد العشوائي أو الخداع أو البيانات المتطرفة.
إذا كان هذا يبدو مبالغا فيه، فمن المهم مراعاة أن نماذج لغة الذكاء الاصطناعي من المرجح أن تصبح أقوى مستقبلا، خاصة أن الشركات الأخرى ستسعى لإنشاء منافس أقوى للجي بي تي-3، كما أن الأساليب الأساسية للتعلم الآلي معروفة على نطاق واسع، وبيانات أوبن إيه آي المستخدمة في التدريب باتت متاحة للجمهور.
ومع إظهار الجي بي تي-3 لإمكانات برامج الذكاء الاصطناعي الكبيرة جدا، فقد يتم تجاوز حد الـ 175 مليارا من معلمات برامج الذكاء الاصطناعي قريبا. وفي الواقع، أعلن باحثو شركة جوجل Google في يونيو الماضي أنهم بنوا نموذجا مكونا من 600 مليار متغير لترجمة اللغة، وقال باحثون في مايكروسوفت إنهم يصبون تركيزهم على صنع نماذج ذكاء اصطناعي بها تريليون متغير، ولكن ليس بالضرورة في مجال اللغة.
ختاما، إذا وجد الجي بي تي-3 سوقا جيدا للبروز، فسوف يتغير عالم الكتابة الذي نعرفه للأبد.