المحتوى المنشور بترخيص من الشريك التجاري. صحيفة وول ستريت جورنال

أعداء الولايات المتحدة يرونها ضعيفة ومقسمة

التقليل من شأن أمريكا أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه تركيا وروسيا والصين

أعداء الولايات المتحدة يرونها ضعيفة ومقسمة

الأربعاء ١٠ / ٠٦ / ٢٠٢٠
2008 هاجمت روسيا دولة جورجيا أثناء مرحلة انشغال الولايات المتحدة بالأزمة المالية العالمية، مستغلة انخراط واشنطن في المشكلات المحلية الأمريكية في تلك الفترة

ما يفتقده الرؤساء المعادون للولايات المتحدة هو رؤية علامات القوة الدائمة التي يتمتع بها المجتمع الأمريكي


بينما يتخبّط البيت الأبيض في رده على الحركة الجماهيرية الأكثر اضطرابًا في البلاد منذ حرب فيتنام، حيث ينشغل المجتمع الأمريكي بالتفكير في المشاكل المؤلمة للعلاقات العرقية، والعديد من المراقبين الأجانب يفسرون هذه الأحداث على أنها علامة أخرى على التدهور الأمريكي. ومن المرجّح أنهم يتوقعون انسحاب الولايات المتحدة المنقسمة على نفسها من الشؤون العالمية، وهذا خطأ كبير للغاية في ترجمة الأحداث الجارية.

وهناك ـ بالطبع ـ الأسئلة القديمة والمألوفة حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولكن بالنسبة للعديد من قادة العالم، فهي ليست الأسئلة التي تشغل بال معظم الأمريكيين، حيث لا يهتم رجال مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، والرئيس الصيني شي جين بينغ بوجهٍ خاصٍ بآراء الرئيس بشأن الأقليات أو النقاط الدقيقة للديمقراطية الأمريكية. ولا ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها تجسيد عالمي لروح الديمقراطية، التي يكمن نجاحها أو فشلها في آمال المعاناة الإنسانية، كما لا يقيسون تحركات ترامب من خلال نجاحه أو فشله في تقريب الولايات المتحدة من أعمق قيمها ومُثلها العليا، لكنهم وغيرهم يريدون معرفة ما يريده الرئيس، ومدى فعاليته في الحصول عليه، ومدة استمراره، وما الذي سيأتي بعده.

وبالمثل، فهم أقل اهتمامًا بالمغزى المعنوي السامي لهذه الاحتجاجات، التي تمثل مرحلة جديدة أعلى في صراع أمريكا الطويل للتغلب على الإرث العنصري والانتصار على ماضٍ غير سعيد عاشته البلاد، وإنما يهتمون بكيفية تأثير الاضطراب على الإجراءات الأمريكية في الخارج.

وذلك لأن المخاطر الأخلاقية في النضال الأمريكي ليست ذات فائدة تُذكر خارج نطاق العالم الديمقراطي.

ويذرف أعداء الولايات المتحدة القليل من الدموع في مكاتب حكومة موسكو أو بكين نيابة عن ضحايا العنف المفرط من قِبَل الشرطة في الولايات المتحدة، كما لا يتكدس العديد من الرؤساء التنفيذيين الصينيين أو الروس مع موظفيهم لوضع خطط لتسهيل حياة موظفي الأقليات.

ومن ناحية الرئيسين بوتين وشي فهم يتبعان سياسة «دبلوماسيي الذئب المحارب» ويستخدمان كبار الدعاة وصولًا إلى أدنى المتدربين في أكثر أجهزتهم الدولية دهاءً الآن، حتى يقوموا بإجراء حسابات باردة حول العواقب الجيوسياسية للاضطرابات الأمريكية.

والسؤال الآن هو: هل يمكن لانقساماتنا، وعدم قدرة ترامب على إدارتها، أن تستهل فترة من العقم والانعزال الأمريكيين؟

حسنًا.. يمكن القول إن رائحة الضعف الأمريكي بمقدورها إثارة الاندفاع لدى القادة الأجانب. فخلال الحرب الأهلية الأمريكية الأولى على سبيل المثال، اغتنم الإمبراطور نابليون الثالث الفرصة لتثبيت الأرشيدوق ماكسيميليان كإمبراطور للمكسيك، وحلم بتشكيل إمبراطورية أمريكية شاسعة تحت السيطرة الفرنسية.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، استفادت ألمانيا وإيطاليا واليابان من العزلة الأمريكية. وهاجمت روسيا جورجيا في عام 2008 عندما ضربت الأزمة المالية أمريكا، وتبع تقدم بوتين منذ ذلك الحين وضع حسابات جديدة لإضعاف تركيز الولايات المتحدة وإرادتها. وتبع انتقال الصين من الصعود السلمي إلى التهديد المتنمّر فترات مماثلة من الضعف الأمريكي.

ومن المحتمل أن تكون غريزة ترامب في الوقت الحالي هي اتخاذ إجراءات درامية لإقناع القادة الأجانب بأنه لا يزال حاضرًا بشكل هائل في الشؤون العالمية. ويمكن أن تفهم تلك الإجراءات بشكل مختلط بسهولة، فغالبًا ما تظهر المبادرات المتهورة أو غير المدروسة بشكل يشبه غزو خليج الخنازير (محاولة فاشلة من جانب القوات الكوبية التي درّبتها وكالة المخابرات الأمريكية لقلب النظام على فيدل كاسترو في شهر أبريل عام 1961) أكثر من غزو نورماندي (سلسلة من المعارك الناجحة قامت عام 1944 بين ألمانيا النازية وقوات الحلفاء بقيادة أمريكا كجزء من صراع كبير خلال الحرب العالمية الثانية)، وتؤكد هذه المشاكل التصورات الأجنبية لعدم الكفاءة الأمريكية.

ومع ذلك، غالبًا ما يسيء الأجانب فهم العملية السياسية الفوضوية والمفتوحة في أمريكا، حيث يعتقد شي وبوتين وأمثالهما بالفعل أن الديمقراطية هي طريقة فوضوية وغير فعّالة لإدارة بلد، ويفسّرون المظاهرات ضد الشرطة على أنها «تهديد لسلطة الدولة»، بل وسيخبرون أنفسهم بأن الأمة التي مزّقتها الصراعات الداخلية لن يكون لها هدف ثابت، ولن تملك السلطة المحلية اللازمة للحفاظ على النظام العالمي القائم.

وما يفتقده هؤلاء الرؤساء على الأرجح هو رؤية علامات القوة الدائمة التي يتمتع بها المجتمع الأمريكي. فعلى الرغم من بعض أحداث العنف المؤسفة التي تمت من قِبَل المشاغبين، تسعى الغالبية العظمى من المتظاهرين إلى تعزيز الديمقراطية الأمريكية، وليس حرق النظام.

وعلى الرغم من أن هناك الكثير من الحديث عن الاستقطاب العرقي، إلا أن الاحتجاجات القانونية والسلمية تتمتع بدعم أبيض ـ يقصد من ذوات البشرة البيضاء ـ واسع النطاق.

ومع زيادة المظاهرات، سيسيطر القساوسة والمسؤولون المنتخبون على صدارة المشهد، بدلًا من المتمردين شبه العسكريين.

وحتى الانتقادات الأخيرة التي شنّها مسؤولو الدفاع الحاليون والسابقون رفيعو المستوى على ترامب لم تكن مماثلة للانتقادات الكبيرة الموجّهة إلى قادة موسكو أو أنقرة أو بكين، ممن يمكن تسميتهم جميعًا بـ«رواد الانقلاب العسكري».

وحتى الآن لا أحد يعرف كيف سيشاهد الناخبون الأمريكيون أحداث الأسابيع القليلة الماضية القادمة ويترجمونها في تصويتهم بالانتخابات الرئاسية، في شهر نوفمبر المقبل، حيث لا يزال يتعيّن علينا الانتظار لرؤية ما سيحدث وقتها.

وذلك لأن معارضة وحشية الشرطة شيء.. وحكم الناخبين في التصويت شيء آخر تمامًا.

وبالطبع هناك أفكار سيئة تدور في الفضاء الأمريكي الآن، بالإضافة إلى الأفكار الجيدة، ويجب مقاومة ميل البعض لخلط التعصب الفكري مع العدالة العرقية والانغماس في تحقيق الديمقراطية.

لكن الطريقة الأمريكية لم ترضَ أبدًا بحالة الركود السياسي، ولطالما كانت المحاولات المتحمّسة لتحسين مناخ الحرية والمناداة بأفضل السبل لتقدمها جزءًا من حياة الولايات المتحدة الديمقراطية، وذلك يحدث منذ عصر القوانين الغربية والفتنة في عام 1798.

ختامًا، يمكن القول إن التقليل من شأن أمريكا هو أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه القادة الأجانب، ونأمل أن يضع شي وبوتين هذا الأمر في عين الاعتبار عند التفكير في تفسير آخر الأخبار الأمريكية.
المزيد من المقالات
x