LamaAlghalayini@
يصر العديد منا على أن المخطئ يجب أن يقدم اعتذارا، أو يتعرض للعقاب، وبرأيي الشخصي فهذا ليس دورنا، لأننا نؤمن أن العدل هو من صفاته سبحانه تعالى، والعفو خير لنا، فالتسامح لا يتعلق بتحقيق العدالة، بل بالتحرر من المرارة الكامنة في قلوبنا، وإعادة اكتشاف السلام الداخلي، فهو يساعدنا على التخلص من التكلس المتراكم حول قلوبنا، حتى يستطيع الحب التدفق بحرية أكبر.
وتكمن أهمية التسامح في أنه يساعدنا على الشفاء من الآلام القديمة، فإذا أردنا الوصول لحالة الحرية الشعورية يجب أن نسامح، والمقصود بالحرية هنا التحرر من اللوم، والاتهامات المضادة، وإطلاق الأحكام التي تسبب الكثير من المعاناة، فحين نخلص إخلاصا تاما لمعاناتنا، ونتشبث بمعاناة الماضي، ونتعلق بالذكريات المؤلمة، وبكل التوترات والحالات الوجدانية التي تصاحبها، فنحن نقاوم تدفق التجدد في حياتنا، ويصبح رفض التسامح كإمساكنا بقطعة فحم ساخن لنهدد بها الآخر، فحين نحاول معاقبة الآخرين سنكون نحن أول المحترقين بتلك النار، لكننا حين نتسامح فنحن نذيب دروع الخوف والاستياء المحيطة بقلوبنا، ونضع تجربتنا القديمة أمامنا بشجاعة، ونتعرف على أوجاعنا بطريقة هادئة متفهمة، وننزع فتيل نيران الغيظ الداخلية، ولا نستمر في الاعتماد على جروحنا القديمة لتحديد هويتنا، فالتسامح ممارسة صعبة، يتطلب قوة حقيقية، ومواجهة صادقة مع شياطيننا الداخلية، وأن نكون منصفين في رؤية الأمور بحيادية، والإدلاء بشهادتنا العادلة على أحداث مزعجة حدثت لنا، أو على الأضرار التي ألحقناها بالآخرين في بعض الأوقات، وقد نشعر بالغضب أحيانا، وبالشعور بالذنب في أحيان أخرى، وقد نسقط في هوة من الحزن العميق، فالتسامح لا يعني أن نكبت تلك المشاعر، بل يعني مواجهتها بطيبة، والانتباه للأمور التي تقف عائقا أمامنا في طريق التحرر، فنحن نسامح لأنه لا توجد فائدة في إبقاء الهموم الثقيلة على كاهلنا، ولا توجد مصلحة في هدر حياتنا رهينة الضغائن القديمة، أو إرهاق نفسياتنا ونحن نجرجر أحمالا من الندم والحسرة لسنوات طويلة، ولهذا فنحن نسامح ليس لأنه من السيئ ألا نفعل ذلك، بل لأن التشبث بالآلام يجرحنا كثيرا، ويبعدنا عن خيارات الحب والوفرة، وقد يكون من الصعب علينا أن نتحلى بالرحمة والعطف حين نتعامل مع القبح الكامن فينا أو في غيرنا، لكن جمال التسامح يمثل في تمحيص شعورنا بالانفصال والعزلة والخوف، وإعادة اكتشاف إنسانيتنا التي نشترك فيها جميعا، فهناك جانب مظلم في كل واحد منا، ونحن القادرون على إهداء أنفسنا أجمل هدية في هذه الليالي المباركة، بإعطاء أنفسنا فرصة للتسامح والغفران.
LamaAlghalayini@
LamaAlghalayini@



