ومن المفترض أن يصبح كوفيد- 19 في مرحلةٍ ما من خلال العلاجات المضادة للفيروسات «خطرًا يمكن التحكم فيه»، مثله كمثل فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة (الإيدز)، أو سيتم اختراقه بواسطة لقاح فعّال.
ومع ذلك، وبعد أقل من ثلاثة أشهر من وفاة الحالة الأولى المعروفة في الولايات المتحدة بكوفيد- 19، فقد مات المزيد من الأمريكيين بسبب هذا المرض، أكثر حتى من الذين سقطوا في المعركة خلال حرب فيتنام، وما زال الفيروس يحصد المزيد من الأرواح، ويتسبب في طرد أشخاص أكثر من أعمالهم، كما أغلقت - مؤقتًا على الأقل- العديد من الشركات أكثر حتى من الرقم الذي حدث في عام الكساد العظيم.
وبالطبع، الولايات المتحدة ليست وحدها في تلك الأزمة، حيث تم إغلاق جزء كبير من العالم. وتغيّرت التجارة العالمية رأسًا على عقب بطرق لم نشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، وباتت التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية المنتشرة بسبب الوباء في طريقها بالفعل إلى التفوق على نتائج الأزمة المالية 2008-2009.
على الجانب الآخر، بدأت العواقب السياسية للوباء في الظهور. وفي أوروبا، مزّقت الجروح التي خلّفتها الأزمة المالية الناتجة عن انتشار الوباء تضامن كتلة اليورو، مع غضب دول الجنوب المثقلة بالديون؛ مما اعتبرته عدم تضامن من دول الشمال المتعثرة معها.
ومع ذلك، ووفقًا لمعايير الأوبئة السابقة، فإن كوفيد ـ 19 يُعد مرضًا خفيفًا نسبيًا، حيث يبدو أن العديد من المصابين ظلوا بدون أعراض، ونسبة صغيرة جدًا من الحالات فقط تطلبت الدخول إلى المستشفى، وكثير من هذه الحالات انتهت بالشفاء من الفيروس أكثر من الوفاة بسببه.
وفي جميع أنحاء العالم، قتل كوفيد-19 حوالي 200 ألف شخص. وهذا التقدير خاضع للمراجعة، وستزداد الأعداد بالتأكيد، لكن بالمقارنة مع الإنفلونزا الإسبانية أو الجدري أو الموت الأسود (الطاعون)، فإن كوفيد-19 لا يزال أمامه طريق طويل.
ومع ذلك، فقد كشف الفيروس المستجد أن أسلوب حياتنا العالمي المتطور تقنيًا أكثر عُرضة للاضطراب من العالم الأبسط لأسلافنا. وهذا لا يُعزى فقط إلى حقيقة أن الأمراض التي تنتقل قديمًا بين الشعوب التي تسافر سيرًا على الأقدام أو على ظهور الخيل لا يمكن مقارنتها - بأي حال من الأحوال - مع الأمراض التي تسافر بين ركاب الطائرات النفاثة، ولكن أيضًا لأن العناصر المتوازنة بشكل معقّد للاقتصاد الحديث يمكن أن تتعرض للفوضى بسرعة كبيرة، وربما خلال بضعة أسابيع فقط من الحجر الصحي.
وتعني هذه الحقائق أنه سيتعيّن علينا على المستويَين الوطني والعالمي أن نخصص موارد أكبر بكثير للصحة العامة.
وحتى الآن كان هناك الكثير من الجدل حول ما إذا كان فيروس كورونا المستجد قد انتقل من سوق الحيوانات البرية أو مختبر أبحاث إلى العالم، ولكن أينما كانت الوجهة التي جاء منها كوفيد- 19 فقد قدّم الفيروس للعالم عرضًا استثنائيًا لقوة علم الأحياء المسلح.
وبينما كان القرن العشرون عصر الفيزياء، عندما تعلّم العلماء لأول مرة تقسيم الذرة وإنشاء أسلحة قوية بما يكفي لتدمير الحضارة بأكملها. يبدو أن القرن الحادي والعشرين الآن سيكون عصر علم الأحياء، عندما يمكن للقدرة على إطلاق الفيروسات المعدّلة وراثيًا على خصوم الدولة - أو محاصيلهم - أن توفر للبلدان ميزة إستراتيجية كبرى.
ولك أن تتخيّل امتلاك دولة أنتج علماؤها شيئًا مثل فيروس كورونا، ولقاحًا له أيضًا. وقتها يمكن لهذه الدولة إطلاق الفيروس حتى يسبب الفوضى والدمار في العالم، ثم تعود وتقوم بتقديم اللقاح للعالم، بعد أن تتم تلبية مطالبها.. الآن تخيّل الأسوأ وهو امتلاك جماعة إرهابية أو منظمة إجرامية أخرى لنفس القوة.
وبمرور الوقت ومع تطور البشرية، سيزداد خطر صناعة أساليب أفضل وأكثر كفاءة لاختراق الشفرات الوراثية وإنشاء الكائنات الحية عند الطلب. وستكون المختبرات البيولوجية - حتى الأنواع المعقّدة منها - أرخص تكلفة في البناء وأسهل في الاختباء من المصانع اللازمة لتخصيب اليورانيوم وتطوير الأسلحة النووية.
وتاريخيًا، يمكن القول إنه تم استخدام الأسلحة البيولوجية قبل فترة طويلة من العصر الحديث، حيث يبدو أن الحيثيين - شعب هندوأوروبي سكن بآسيا الصغرى وشمال بلاد الشام - قاموا بإرسال حيوانات مصابة بالأمراض إلى أراضي العدو في وقت مبكر من عام 1000 قبل الميلاد.
وفي عام 1346، أدت مهاجمة المغول إلى دفعهم لجثث ضحايا الطاعون إلى مدينة كافا المحاصرة في شبه جزيرة القرم.
وفي الآونة الأخيرة، طوّرت كل من دول المحور والحكومات المتحالفة أسلحة بيولوجية خلال الحرب العالمية الثانية، ونشرتها اليابان على نطاق واسع في حربها ضد الصين، بما في ذلك استخدام القنابل الخزفية التي تحتوي على البراغيث الحشرية الطاعونية ضد مدينة نينغبو.
وفي مستقبل ما بعد كوفيد- 19، ستميل بعض الدول والجهات الفاعلة من غير الدول إلى البحث في قدرات صناعة الأوبئة، وسيتعيّن على كل دولة الدفاع عن نفسها كذلك، بعد أن أصبحت القدرة على التعرف على الأمراض الجديدة بسرعة، وتطوير العلاجات واللقاحات حجر الزاوية في إستراتيجيات الدفاع الوطني.
وتوفير المرونة الاقتصادية سيكون أمرًا مهمًا أيضًا، حيث يجب أن نتعلم من الشلل الذي أصاب المدن والأنظمة الصحية والشركات وسلاسل التوريد خلال أزمة كوفيد- 19، بحيث يكون بناء اقتصاد أقل عُرضة للتعطل أولوية في المستقبل.
وسيكون هذا صعبًا ومكلفًا، ولكن كما كانت مارجريت تاتشر Margaret Thatcher رئيس وزراء بريطانيا الراحلة تقول: «لا يوجد بديل». لقد تغيّر العالم، وعلينا أن نتكيّف.
1346 أدى الهجوم على المغول لاستخدامهم الحرب البيولوجية، ودفعهم بجثث ضحايا الطاعون لشبه جزيرة القرم
3
أشهر مرت على وفاة أول حالة مؤكدة بفيروس «كوفيد - 19» في الولايات المتحدة