هناك قصة متداولة ذات مغزى عميق، عن صاحب مصنع أحذية، طمح لفتح سوق جديدة لترويج أحذيته في جزيرة بعيدة من جزر المحيط، فانتدب موظفا من شركته للسفر واستطلاع الوضع من أرض الواقع، فأرسل له الموظف برقية قصيرة عقب وصوله بيومين تقول: «للأسف لا توجد فرصة، فالناس هنا لا يرتدون أحذية». ولتصميم المالك على هدفه وعدم استسلامه قرر إرسال موظف آخر لاستكشاف الأمر فأرسل بعد فترة تقريرا مفصلا يقول فيه: «تهانينا، إمكانيات السوق ضخمة، فالناس هنا لا يرتدون أحذية، ولهم أرجل قبيحة، ولقد قمت بمقابلة رئيس القبيلة وأوضحت له أن الأحذية ستساعد شعبه على تجنب مشكلة الأرجل، وأمامنا فرصة عظيمة لأنه تحمس للأمر وأن 70 % من شعبه يحتاجون الأحذية»، ولا أدري لماذا تذكرت هذه القصة في هذه الوقت أمام القلق والإحباط الذي ينتاب الأكثرية في هذا الوقت، والشعور بضيق الفرص وانسداد الأفق، مما يدفعنا للتفكير في أساليب أخرى للنظر لتلك الأزمة بأسلوب أكثر روحانية وحكمة، فالحكاية دوما ليست في الحدث نفسه بل في نظرتنا نحوه وتعاملنا معه. والرسالة التي تحملها هذه القصة من وجهة نظري تؤكد فكرة أن أي شيء في الحياة لا معنى له إلا المعنى الذي نعطيه إياه، وإذا غيرنا معنى الحدث في أذهاننا فسيغير ذلك ماهية شعورنا وطريقة تعاملنا مع الحدث، وأن علينا التأكد تماما من اختيارنا الواعي للمعاني التي نصف بها أحداث حياتنا، فعند مواجهة أي موقف في حياتنا، سيبدأ ذهننا بالتساؤل سريعا: ما معنى ذلك؟ هل هو مكسب أم خسارة؟ هل سيمنحني ألما أم متعة؟ هل أقترب أم أبتعد؟ وستختلف إجاباتنا عن الأسئلة وكيفية تشخيص الموقف باختلاف قناعاتنا المبرمجة مسبقا، فللقناعات قوة جبارة للبناء أو الهدم، ولدى البشر مساحة حرية كبيرة لاختيار المعاني التي سيطلقونها على تجارب حياتهم بطريقة تعيقهم أو تدفعهم للأمام، فقد يقرر البعض أن ينظر لتجربة مريرة ماضية بأنها درس ثري بالخبرات ونقطة تحول للأفضل، بينما يتبنى الآخر نحوها نظرة سلبية ويعتبرها دليلا مؤكدا على ضعف إمكاناته ومبررا للانسحاب من أي محاولات مستقبلية، فالموظفان في قصتنا واجها الظروف نفسها واختلفا في الاستجابة، فقد فشل الأول في استخلاص أي مكسب من الموقف، بينما قرر الآخر أن يستثمره بأفضل صورة، فالبعض يسمي إخفاقاته «فرصة تعلم» تحفزه لاختراق الحياة بإيمان أعمق، والآخر يسميها «فشلا» ويتوقف عن المحاولة ساخطا، وفي ظل هذا الوضع الذي نعيشه حاليا، والكم الهائل من الأخبار والحقائق والشائعات المتداولة حول ڤيروس كورونا الجديد ومخاطره، فإن غيوم السلبية الجاثمة في الأجواء تدفعنا للبحث عن زاوية أخرى لتأمل الموقف، فما هي إيجابيات الوضع الراهن من زاويتك؟، فمن حكمة المرحلة أنها ساهمت في توحد بوصلة البشرية نحو هم مشترك، ورفع مستوى المسؤولية الاجتماعية، لكن الإيجابية الأقوى بالنسبة لي أنني ازددت فخرا بوطني وبقيادتنا الرشيدة، وبالموقف البطولي الذي واجهت به المملكة العربية السعودية هذه الأزمة والذي أشادت به منظمة الصحة العالمية والعالم أجمع، والإجراءات الاستباقية والجهود العظيمة المتخذة التي أثبتت للعالم بأسره أنها دولة عظيمة ومتمكنة، ومستعدة لبذل كل ما يضمن سلامة وأمن شعبها، وأن لدينا ثروات قيادية وكوادر بشرية مؤهلة وعلى مستويات عالية من الخبرة والكفاءة، فالحمد لله أولا وأخيرا.
LamaAlghalayini@



