إن «البزنس كارد» أداة مختصرة في نبذةٍ تعريفيةٍ حول الاسم والتخصص، كما أن «البزنس كارد» تختصر الإجراءات؛ للحصول على معلومات، وتلبية المهام في «ردٍّ مشكور وسعي مبذول» إن أمكن، لكن الواقع المرير لا يتطابق مع «الأداة»؛ لأن الشخص المطلوب مشغولٌ حاليًا، وبمعنى آخر خارج نطاق الخدمة مطلقًا، فإما أن يعطيك «مشغولًا» دون أدنى اعتبار، أو لك أن تشقّ له الأنفاس لتهاتفه عبر واسطة أو حيلة، فلا سبيل من ذلك؛ لأن الهاتف مغلق دائمًا، وعلاوة على ما سبق، ضريبة الخدمات المقدمة خارج أوقات الدوام قد تُقدّر في مزايا الطمع، وبشروط قد لا ترقى للشرف ولا النزاهة المهنية.
إن أحدهم لم يتكلّف؛ ليؤدي المهام المنوطة به، فيخاطبك من برجٍ عاجيٍّ، ونبرة لسانه تتعالى على سقف مصالحك، كلما انحنيتَ له قام بصفعك وردّك، وإغلاق الخط في وجهك «تحقيرًا لا أدبًا.. مُكرهًا لا مُكرّمًا»، هكذا يتحتم بنا أن «نُنكّس جباهنا»، ونلعق صبرًا، فكم أُتخمت جيوبنا ومُخبّاتِنا من "البزنس كارد"، تلك البطاقات المدرجة بعناوينٍ وأرقامٍ ومسميات وظيفية لشخصياتٍ أصابها «سعار المناصب» حتى عادت بلا أهمية، فأولئك يسقطون بالاحترام في وحْل الأخلاق، والمبرر "الموظف المشغول"، فلك أن تدفع الثمن في ملاحقته أشهُرًٍا، وربما لسنواتٍ لتخليص مستحقاتٍ عالقة بين «آهٍ وآه»، وختام المشهد هاتفٌ آخر على قيد الحياة لحصر العلاقات المميّزة، وتقديم الخدمات بامتيازات، بعيدًا عن صوت المواطن المهموم.
هناك قوائم من الأسماء في عِداد النسيان وقواميس من الأبجديات، سرعان ما تتبدّد لرموز ومعرّفات وألقاب من الطراز الفاخر؛ لتوافق المعايير والمقاييس بختم مترَف يليق بالجديد؛ ليتقدم من خلالها الموظف المهووس بعقدة المناصب إلى عقد مصالحه النفيسة عن أكل عيشه بلقمةٍ شريفة، وأن يتناسى صوت المواطن.
إن "الأنا والضمير" قائدان متضادان في معتركَين لا مفرّ منهما، كلاهما يظنان أنهما يسلبان من الآخر حقًا مستحقًا، بيد أن صوت الضمير يحجم عن سماعه كل مَن عميت بصيرته، وفقد صوابه، وقدّم التنازلات، وعرقل التعاملات، وفي المقابل الأنا تنتصر لملذاتها ورغباتها، والأهم أن تكسب "وجه المرآة" حب الذات عن صوت المواطن.
إن الضنك المادي وشُحّ المناصب همَّان يتطابقان في نسخةٍ واحدة، فالسعي الحثيث خلف الجاه والسلطان مُكلّف ومُهلِك؛ لأن البقاء يفنى ولا يُخلد، فلا يوجد هناك ما هو أهم من أن تكون "صوت المواطن".
إن الجهل والجوع متى ما اجتمعا على كرسي المناصب حلّت الكوارث، فلا عدالة اجتماعية إلا في محاكم الأرض والسماء، فالسلطة في يد الجائع تضل طريقها، وفي يد الجاهل تُضيّع المسؤوليات، وكثيرًا من حقوق الناس، فالجاهل لا يسعى للتصحيح، ولا يرى أخطاءه، بقدر ما يرى الخلل والزلل، وأما الجائع فلا يرى إلا ما يُغذّى به مصالحه.
فكم من شخص عالق بين حقوق لم ترد، ووعودٍ لم توفَّ، وعقود لم توثق، وأن مَن يستهين بالناس لا يهاب رب الناس، وإن مَن يسيء استخدام النفوذ وعصا السلطة يمارس الانتهاكات جُرمًا، فمَن قُيّض لمصالحه يتجرد من أخلاقياته، وإن حاكمته بأخطائه سيفر منك وينقلب عليك، ومن شدة تخاذله كي لا يتم إخضاعه وإدانته بسوءاته، فتحل الخسائر، ويقل العائد وصوت المواطن في عقدة المناصب.
وختامًا.. ليعلم الظالمون أنه سيأتي يوم لا مردّ له من الله.



