بداية أنا من جمهور نزار، ليس فقط جمهوره، وإنما أيضا ممن يراه واجهة الشعر العربي الحديث، رغم بعض شطحاته وبالأخص فيما يتصل بالشعر السياسي، لكني أعتقد أن علينا أن نغفر للشعراء، فهم يقولون ما لا يفعلون. أعرف أن هنالك من سيعقد جبينه من أولئك الذين تعودوا على توزيع الألقاب على الشعراء، ومحاولة فرض ذائقتهم على خلق الله، أولئك الذين قاتلوا من أجل أن يقنعوا الناس ليس فقط أن الجماهيرية ليستْ معيارًا، وإنما على أنها في نظرهم سبّة أو هي شتيمة، فكل من تلتف الجماهير حوله فهو ساقط في نظرهم، فيما لا قامة تعلو فوق قامة أحمد عبدالمعطي حجازي أو أدونيس، ولذلك صنّفوا نزار بأنه شاعر المرأة في حيلة ماسخة وبليدة لإقصائه عن عرش الشاعرية المدهشة، رغم أني أثق أنهم في خلواتهم قد يترنمون بشعره. عمومًا هذا رأيي الذي سأعشق به شعر نزار، ولا أفرضه على أحد.
«نزار» في قصيدته الشهيرة «في مدخل الحمراء كان لقاؤنا.. ما أطيب اللقيا بلا ميعاد»، مارس لعبة الاستلاب على المستوى التاريخي والأنثروبولوجي، عندما وظف المخيال الشعري في قصة هذه القصيدة التي تحكي لقاءه بفاتنة إسبانية عند مدخل الحمراء، حيث قرأ في ملامح سحنتها دماء بني أمية، «وأميةٌ راياتها مرفوعة.. وجيادها موصولة بجياد»، طبعًا دون أن تعي هي هذا النسب الذي أيقظ في وجدان الشاعر «قرون سبعة» من حكم الأندلس، حيث الفتاة لا تعرف إلا أنها إسبانية مولودة في غرناطة، في حين أنه رأى في وجهها «الدمشقي» حفيدته السمراء، وكنتُ سأقبل من «أبي توفيق» جرّ هذه السمراء الإسبانية إلى جذورها العربية بشكلها المطلق خاصة حينما قال: «وجهٌ دمشقي رأيت خلاله.. أجفان بلقيس وجيد سعاد» على اعتبار أنه يتحدث بلسان عروبته لا بمنطق القُطرية الجغرافية، وأنه بالتالي أراد أن يذكرها بنسبها العربي المدفون في تاريخها من بلقيس اليمن إلى سعاد كعب بن زهير، لكنه ما لبث أن حدد هويتها الدمشقية:
«ودمشق أين تكون؟ قلت ترينها.. في شعرك المنساب نهر سواد» مستدعيًا بذلك هوية دمشق الدلالية ابتداءً من الياسمينة الدمشقية إلى الفل إلى البركة الذهبية وغيرها، لكنه لم يعرّج مطلقًا على الهيولي الرئيس لهذا الدم العربي ليعيده إلى منبعه، لم يشر أو يلمّح إلى مكة موطن بني أمية الأم، تلك التي حكم أبناؤها الأندلس، وتركوا فيها بعض دمهم، وبعض جيناتهم، فهذه الشقراء إن كانت دمشقية عربية الجذور، فإنها قبْلًا ستكون مكية؛ لأن فتيان مكة المكرمة هم من حكموا دمشق وبغداد ومن بعدهما الأندلس. مسألة أن دمشق هي من جعلتْ منهم ملوكًا، غير صحيحة، فقد كانوا جزءًا من بيت الحكم في مكة في زمنها القرشي.
«ودمشق أين تكون؟ قلت ترينها.. في شعرك المنساب نهر سواد» مستدعيًا بذلك هوية دمشق الدلالية ابتداءً من الياسمينة الدمشقية إلى الفل إلى البركة الذهبية وغيرها، لكنه لم يعرّج مطلقًا على الهيولي الرئيس لهذا الدم العربي ليعيده إلى منبعه، لم يشر أو يلمّح إلى مكة موطن بني أمية الأم، تلك التي حكم أبناؤها الأندلس، وتركوا فيها بعض دمهم، وبعض جيناتهم، فهذه الشقراء إن كانت دمشقية عربية الجذور، فإنها قبْلًا ستكون مكية؛ لأن فتيان مكة المكرمة هم من حكموا دمشق وبغداد ومن بعدهما الأندلس. مسألة أن دمشق هي من جعلتْ منهم ملوكًا، غير صحيحة، فقد كانوا جزءًا من بيت الحكم في مكة في زمنها القرشي.



