كأُم قد لاحظت أن عالم التقنية بمعارفه وعلومه الإيجابية قد ساعد كثيرا في زيادة الإثراء المعرفي الذي لامسته في سلوك أبنائي. فطريقة تفكيرهم، طموحهم، رؤيتهم وموازنتهم للأمور، معلوماتهم وغيرها لم تكن بذاك المستوى العالي من الإيجابية ولا السلبية، لكنها قد علمتهم أساليب جديدة في كيفية تعاملهم مع متغيرات الحياة والمشاكل التي قد يواجهونها. كنت حريصة على اتباع أسلوب النقاش مع أبنائي لأني أعلم جيدا نتائج هذا الأسلوب الراقي. حتى اكتشفت أن أطفالي قد أحبوا هذا الأسلوب التربوي الذي ساعدهم على اكتشاف شخصية (الصديق الأم) الذي يستمع لهم دون أن يفرض أحكاما وقوانين وعقوبات عليهم، فهم قد تكيفوا مع هذا الأسلوب؛ لأنهم شعروا بأن النقاش إن لم يكن يخرج بنتيجة مرضية فهو على الأقل فضفضة فكرية أو عاطفية، حتى وصل الأمر إلى أن النقاش أصبح حاجة ضرورية لها أبعاد أخرى، حيث إن النقاش أصبح وسيلة للتعبير عن الشوق، الامتنان، تجديد عهد الصداقة، الاعتذار والتبرير وغيرها من الأمور التي تكشف لي عن شخصية أبنائي، حتى أصبح النقاش يعقد في زاوية خاصة من البيت تشعرهم بالأمان والتوجيه من (الصديق الأم).
قد نشأ البعض منا على عكس ذلك، فأسلوب الفرض أو التلقين قد قتل طموح وآمال أحدنا، فبعض طرق التربية الماضية قد كانت مصادرها المعرفية معدودة؛ لذلك قد خلقت فجوة كبيرة بين أساليب التربية القديمة والحديثة، فنحن الآن نملك مصادر معرفية متعددة،
وكل مصدر يحتوي على كم هائل من المعارف والعلوم التي تؤثر بشكل أو بآخر على أطفالنا، لذلك علينا أن ندرك تماما أن عقول أطفالنا تسبق أعمارهم، وأن كمية المفردات اللغوية لديهم قادرة على فتح نقاش طويل مع الطرف الآخر. فالواجب علينا أن نتكيف مع التطور التربوي الحاصل ومتطلبات عقول وقلوب أطفالنا، وإعطاؤهم الأهمية التامة من وقتنا؛ لفتح النقاش معهم والتحدث إليهم بمرونة تتناسب مع أعمارهم.


