الحجم المعنوي والقيمي للمملكة ليس منحة أو هبة من أحد، ولا هو أمرًا طارئًا يرتبط مثلا بقدرات البلد النفطية، أو مستوى ثرائها، وقوة اقتصادها، وإنما هو محصلة إستراتيجية لموقع المملكة كقطب رئيس وأوحد للعالم الإسلامي، بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، والمنطلق الهيولي للعروبة، وأساس اللسان والثقافة العربية، ثم صلة الوصل جغرافيا بين ثلاث قارات. هذه المعطيات وحدها تكفي لأن تعطي المملكة دون سواها من بلدان العالم قيمة عالمية خاصة، يعرف الإستراتيجيون، وخبراء السياسة قيمتها الدولية، وحجمها في ميزان العلاقات الدولية، وإذا ما أضفنا إلى هذه السمات الاستثنائية التي لا يوجد لها أي مثيل القوة الاقتصادية على اعتبار أنها اليوم أحد أعضاء منتدى العشرين (G20)، ومن ثم قوتها السياسية بوصفها أول وحدة عربية ناجزة، استطاعتْ أن تتجاوز بلحمتها واندماجها كل هواجس التفتيت، لأنها انطلقتْ من سلطات المجال الحيوي، واقتصاد الغزو، إلى سلطة الدولة، واقتصاد التنمية المستدامة، لتنقل مجتمعها من حالة العوز والفاقة إلى نقيضها تماما مما جعلها أشد وأصلب عودا. وكل هذا شكل في النهاية قيمة خاصة واستثنائية للمملكة يشهد بها الجميع حتى أعداؤها متى عادوا إلى رشدهم، وهذا هو سرّ اتفاق معظم الساسة على أهمية استقرار المملكة، لأنها ركن ركين في المنظومة الدولية، ولأنها البلد الوازن أبدا في سياساته، وفي أدبياته في علاقاته بالآخرين، وفي مساهماته العملاقة في البناء التنموي الدولي، بل ومساهماته في ترسيخ الأمن والسلم العالميين.
هذه السمات التي لا تتوفر مجتمعة لبلد واحد، والتي خص الله بها أرض مقدساته، هي بالتأكيد أحد حصانات هذه البلاد، وعندما نضيف إليها فهم المواطن السعودي، وإدراكه لهذه القيمة الفريدة، وترجمة مواطنته عبر سلوكه إلى حصانات إضافية، فإن كل ما قد يثار من حملات تشويه، أو محاولات اصطياد في المياه العكرة، تصبح في النهاية مجرد أراجيف متهافتة لا قيمة لها، لكننا في ذات الوقت مطالبون خصوصا في مثل هذه المنعطفات برفع قيم المواطنة، وترقيتها ليس كأناشيد أو قصائد أو تغريدات وحسب، وإنما مطالبون بترقيتها سلوكا وعملا وإنتاجا وإنجازا، فهذه هي القيم العملية للمواطنة المؤهلة لرفعة الوطن، وتمتين أركانه وتمرير رسالته بكفاءة بين الأمم ليبقى كما هو أبدا على قامة الشموخ.



