نشأت محبة للقراءة وعاشقة للكتب. أتحايل على أمي عندما تطفئ إنارة غرفتي وقت النوم لأستمر في القراءة بالكشاف تحت اللحاف. أغوص في القصص وأعيشها بشغف. عندما سكنا في ألمانيا كنا نزورالمكتبة العامة كل عدة أسابيع، وكنت فخورة ببطاقة عضويتي الخاصة. نبقى هناك لفترة حتى نختار الكتب الخاصة بِنا وأعود وكأنني محملة بكنز. أنتظر لحظات العزلة حتى أدخل في عالم من الخيال ينقلني لبلاد لم أزرها ولا أعرف فيها أحدا. كل كتاب نافذة على عالم لم أعش به، حتى أحسست أنني عشت أعمارا تفوق عمري الفعلي.
تشكلت ثقافتي من الكتب التي قرأتها مبكرا، وكانت كاتبتي المفضلة هي الكاتبة السويدية أستريد ليندجرين (Astrid Lindgren) التي نقلتني إلى عالم الفتيات المشاكسات القويات مثل بيبي ورونيا (Pippi Longstocking وRonja the Robbers Daughter) وتلتها الكاتبة الانجليزية إينيد بلايتون (Enid Blyton) التي أظهرت لي عالم مغامرات الفتيات في المدارس الداخلية البريطانية. قرأت غيرها الكثير واستمررت في التهام ما أجده بحماس.
وإن كنت أعيش القصص حين قراءتها فإنني تفاجأت عندما بدأت بزيارة تلك البلدان التي كانت مسرحا لها. وجدت نفسي في محيط مألوف نوعا ما، أحمل معي جزءا من جوهره دون علمي. بدل أن تشكل هذه القصص والروايات فترة قصيرة عابرة أبقت في داخلي ما جعلني أستشعر العلاقة بالمكان. ففي الأدب ملامح الأماكن وطبقات خفية من التاريخ والثقافة المنسوجة في القصص.
لعل أكثر بلد قرأته وبقي معي عبر السنوات هو السويد. فبعد قصص الطفولة من الكاتبة ليندجرين وسيلما لاجرلوف (Selma Lagerlöf) وجدت نفسي أقرأ كتب هينينج مانكيل وشتيق لارسين (Henning Mankell، Stig Larsson) وغيرهما. اختلف عمري والكتاب وتشكل مفهومي عن البلد تدريجيا دون أن أقرأ في كتاب يتناول تاريخ السويد أو ثقافتها. أفضل هذا النوع من التعرف على البلدان لأنها طريقة ممتعة لا جفاف فيها. تبني الصورة الذهنية ببطء وعناية.
لعل هذا ما يميز الكتب الممتازة وهو ما وصفه كليفورد جيرتز (Clifford Geertz) بالوصف السميك (thick description) وهو ما يوفر السياق الثقافي الذي يضفي على السلوكيات معنى يسمح للقارئ بفهمه وهو خارج تلك الثقافة. فالأوصاف السميكة تسمح بتتبع الشوارع بأسمائها وتصف ما تشاهده الشخصية وتعطي صورة تاريخية صحيحة بلفت النظر لممارسات أو سلوك ارتبط بحقبة زمنية معينة مع مبرراتها. هذا النوع من الكتب مثرٍ بشكل لا يوصف.
ما أجده مؤسفا، أن غالبية الكتب العربية التي قرأتها أو بالأحرى حاولت أن أقرأها تفتقر لهذا النوع من الوصف. وإن كانت تدور أحداثها في محيط أعرفه جيدا إلا أنها لا تتقن رسم الصور الذهنية بسبب الفراغات التي تكون بها. فبدلا من قصة محبوكة في سياق واضح تتطلب هذه الكتب تفهم القارئ لهيكل هش تلبس فيه الفراغات بلباس الغموض المقصود وهو ما لا أجده مقنعا.
قرأت من البلاد الكثير ولا أزور بلدا إلا ويكون جزءا من الاستعداد قراءة كتاب تدور أحداثه في مكان الزيارة. تساعدني في تفهم يوميات المجتمع واهتماماته وتضفي إحساسا حميميا يمسح ملامح الغربة. حينها وبدلا من أن أدخل عالما غير مألوف أجِد خيالي يتحول واقعا والكتابات تتحول إلى صور أتجول بها.