DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

قواي الخارقة

قواي الخارقة

قواي الخارقة
عندما كنت صغيرة أشغلني سؤال كان يتبادر إلى ذهني بين فترة وأخرى وهو «لو كانت لدي قوة خارقة أي نوع أريد؟» كان الجواب يختلف حسب السن والظروف التي أمر بها، ولكنها انحصرت في ثلاثة قوى خارقة أولها أن أقرأ أفكار الغير، وبهذا أستبق الأحداث وأملك المعلومات التي تسمح لي بالسيطرة (و لو أن هذه الفكرة لم تأت مبكرا لوضعت هنا ضحكة شريرة). القوة الخارقة الثانية التي كنت أتمناها كانت الطيران لما مثل لي من الحرية وما لسهولة التنقل من مزايا. أما القوة الخارقة الثالثة فكانت بأن أمتلك موهبة الاختفاء. أمنيتي الأولى تلاشت ولم أعد أريدها والثانية تحققت جزئيا بمساعدة خطوط الطيران وقبلت بهذا كحل وسط، أما القوة الخارقة الثالثة وهي الاختفاء فيبدو لي أنها تحققت وإن كان تحققها جزئيا ولم أتمكن بعد من السيطرة على هذه الموهبة. لاحظت تحديدا أن قوى الاختفاء تظهر عندما أكون في طابور بانتظار خدمة وشراء سلعة. فما أن أقف حتى يتعداني الغير وكأنني لست موجودة، ملوحين بالمال أو رافعين صوتهم أو آتين من الجنب لأنهم بالتأكيد لم يروا الطابور لعدم رؤيتهم لي وأنا مختفية. لاحظت أن هناك علاقة طردية بين شفافيتي واتساع طاولة البائع كما يكون في الصيدلية مثلا. أما في السوبرماركت أجد أن ضيق الممرات المؤدية للكاشير، ووجود العربة تحول كدرع ولعلها تتداخل ذبذباتها مع القوى الخارقة فيراني الناس. لست متأكدة فمثل غيري من الأبطال الخارقين أحتاج بعض الوقت للسيطرة على قواي وتفهمها جيدا. أؤكد أن السيطرة ليست سهلة دائما لأن الاختفاء يأتي مع أعراض جانبية من الغضب أو الحلطمة أو التدخل في عملية بيع من تعداني لأتأكد منه إن كنت فعلا شفافة أم لا. موضوع مكرر نشتكي منه أحيانا ونسلم به في الغالب. فما السبب الذي يجعلنا لا نحترم وجود غيرنا من البشر ولا نحترم وقتهم. ألم نتعلم ونمارس الانتظار والانتظام في طابور الصباح عبر السنين؟ ألا نصطف في صفوف مرتبة لأداء الصلاة؟ يبدو لي أن الأعراف الاجتماعية التي تحكم سلوك التعامل تختلف حسب المكان والزمان لذا لا نعرف كيف نؤمن بمبدأ واحد لنطبقه في كل مكان، بل نفترض إعادة وضع القوانين التي تحكم السلوك في كل مرة. حسب دراسة علمية يعتقد فريق من الباحثين من كلية وارويك لإدارة الأعمال (Warwick Business School) بأن السلوكيات مثل انتظار الدور في الطابور وفتح الباب لشخص قادم هي نتيجة ما يسمونه «التفاوض الافتراضي» (virtual bargaining) ذلك أنه عندما نتوقع أن نتفق على سلوك معين، لا داعي بأن نتفق فعليا بل ننفذه دون التحدث به وعند وجود سابقة أو سوابق يتأصل السلوك ويصبح سائدا. إن الطابور يعتبر نظاما اجتماعيا مصغرا له قوانينه وسلوك متوقع يختلف من دولة إلى أخرى وقد تجد من ينتظر بكل صبر في دولة يقدم نفسه على الغير في دولة أخرى. لذا فإنه بالنظر إلى الطابور نعرف إن كان المجتمع فيه عدالة اجتماعية لا تفرق بين البشر، أم أن الطبقية والفوضى منتشرة على سبيل المثال ويظهر ذلك بالذات عندما تقع مسؤولية التنظيم على عاتق الزبائن دون وضع نظام أو ضبطه من قبل الباعة، لأن مبدأ التفاوض الافتراضي لا ينطبق في حال عدم الاتفاق على السلوك الصحيح مسبقا. إن للطبقية في المجتمع دورا مؤثرا في تعدي الدور من منطلق قيمة وأهمية يلصقها الشخص أو يدعيها لنفسه، وأحيانا تُدعم من الآخرين حيث تعطى أهمية أكبر لشخص على آخر وتتم المعاملة بالتوافق مع هذا التصور. أتفهم الفرق عند اختلاف ما يشترى كأن يتم التفريق بين مسافري الدرجة السياحية ودرجة رجال الأعمال مثلا، ولكن هذا مبرر بفارق السعر والخدمات المختلفة وفي داخل الدرجة الواحدة لا يتم التفريق إلا من حيث أسبقية القدوم. تعودت شريحة من المجتمع أن تسأل من حولها عند استنكار فعلهم قائلين «ألا تعرفون من نكون؟» وتعلمت منهم شريحة أخرى أنه تحت ستار الجهل بمن يكونون يسمح لهم كل ما يسمحونه لأنفسهم. حتى انعدام هذا السلوك لا تستغربوا انتشار من لديهم قوى الاختفاء.
المزيد من المقالات