تتشكل العائلة من مجموعة محبة ومتعاونة، ولا أقصد بالعائلة الزوج والزوجة والابناء، بل أقصد العائلة التي تحيط بنا في كل مكان بالمنزل، بالعمل، بالدراسة، وفي أي مجال يكون فيه تجمع يدوم لسنوات عدة. قد لا يكون الشخص جزءا من هذا التجمع ولكن كثرة ارتياده للمكان أو التعامل مع اصحابه يجعله من ضمن هذه العائلة بجميع أحاسيسه، ويشاركهم أمورهم بأدق تفاصيلها، هذه التجمعات تكون مترابطة بمشاعر متقلبة كالعائلة الحقيقة المرتبطة بالدم، ومن بين هذه العائلة يكون هناك شخص محركاً لهم، شخص تنبض الحياة بوجوده ومن غيره تعيش هذه العائلة حياتها، ولكن الاحساس بفراغ او عدم التنظيم أو عدم القدرة على العمل أو العمل بكل الطاقة الموجودة، ولكن ما زال هناك امر لا يكتمل إلا بوجود هذا الإنسان.
ديمة عرابي.. أو الدكتورة ديمة عرابي، هي من الشخصيات التي استرعت انتباهي في مجال عملها، منذ اللحظة الاولى التي يقدم فيها الشخص للقياها تعامله كفرد جديد انضم الى عائلتها، سواء كان حضوره للعيادة لمرة واحدة أو لعدة مرات، لا تكاد تلتفت يمنة ويسرة إلا تجدها بين مرضاها تتنقل من عيادة لأخرى، تتقبل النقد، تتقبل الملام، تتقبل كل امر تستطيع ان تقوم به وفي حدود إمكانياتها وبرغم جميع الاعمال المناطة بها، إلا أن الابتسامة تعلو محياها لجميع مراجعيها مهما كثُر العدد وكثُر الكلام وكثُرت الشكوى منهم. لديها عائلة تحيط بها من كل جانب (المديرة الإدارية، الأخصائيات الرائعات المتخصصات بكل مجال، فتيات الاستقبال ذوات التعامل الجميل السابقات والمتجددات، الممرضات، وحتى العاملات لا يمكن أن اقول إلا أنه تجمّع لا يمكن أن يتكرر في أي مكان آخر في نظرتي المتواضعة). تعاملت مع الكثير من الاماكن ولا استطيع ان أقول إنني لم اجد مثلهن، ولكن حقاً لم اجد مثلهن كعائلة، قد يتواجد الفرد والفردان في مكان واحد يحملان هذه الصفات ولكن الكل (إلا من رحم الله) لم اجد في فترات الإجازات والتي تحصل عليها الدكتورة بين فينة واخرى تجد الكل يعمل بلا كلل وبلا ملل، بل ويجعلك تشعر بعدم فقدها وانهم على قدر عال من المسؤولية، ولكن حين تسأل إحداهن عن الحال تجد الابتسامة تسبق الإجابة والقول بأن العمل جيد ولكن هناك إحساس بالضياع بالرغم من اتقان العمل إلا أن عدم وجود (ديمة عرابي) سبب هذا الإحساس بينهن جميعاً، وحين عادت بينهن عادت الحياة للمجمع بأكمله، وبالفعل تجدهن عدن للعمل من جديد ولكن بروح جميلة، تلك الروح التي عاد إليها الإحساس بالأمان. هل هذا يعني أن هذه الشخصيات لا تتواجد في المجالات الحكومية؟ لا، بل يوجد منهن الكثير امثال الدكتورة ريم العبدالقادر (المستشفى التعليمي) والتي اضافت لقسم العيون حياة تختلف عن الركود الذي كان يعتريه، وأعادت الثقة لدى المرضى، لا انها بحق أدت القسم الذي صدحت به حين تخرجت ومارست المهنة، وليس كغيرها ممن بخُل على المريض بالمعلومة واعطاه القليل من الوقت حتى يتسنى له الراحة. هذا ما واجهت خلال طريقي وأنا على ثقة بأن المتواجد أكثر وأكثر من مثيلاتهن واللاتي بتواجدهن تعود الحياة للمكان المتواجدات فيه.
لله درهن ودر كل من كان مثلهن واللاتي نحن بحق بحاجة لهن في جميع مجالات الحياة، ليس فقط في مجال الطب لتخفيف الضغوط التي نرزح تحتها في هذا العصر الذي اتسم بالقلق والتفكير والتعب.