نحن نعرف أن هناك زمنا فيزيائيا وزمنا نفسيا وزمنا اجتماعيا وزمنا تخيلا.. نعرف كل هذا بصورة واضحة في الفرد: فهناك من يتمرد على زمنه النفسي والاجتماعي والخيالي، أما الزمن الفيزيائي فليس هناك سبيل للتمرد عليه.. أما المجتمعات فهي تمر بكل هذه الأزمنة ولكن بصورة أبطأ وغموض أشد.
وأعتقد أن من معاني الزمن «التغير» فهو منذ أن قال هيريقليطس «كل شيء يتغير إلا قانون التغير» ونحن نرى أن الزمن هو مضمار التغير الواسع باعتباره مرادفا لحركة المجتمعات.
لفت نظري مقال الزميل في هذه الجريدة بدر الإبراهيم بعنوان: (تهمة اسمها التغيير) يقول فيه: «تغير الأفراد كما تغير المجتمعات مسألة واضحة لا لبس فيها، تحصل مع مرور الزمن وتراكم عوامل عديدة وهو ما يجعل تاريخ المجتمعات والأفراد لا يسير على وتيرة واحدة».
ما قاله الإبراهيم قاله الجاحظ قبل قرون «بتغير الزمان يتغير الفرض وتتبدل الشريعة» وما قاله ابن خلدون: «ان اختلاف الاجيال في احوالهم انما هو باختلاف نحلتهم في المعاش» هنا نرى ابن خلدون يضع تعليلا للتغير هو العامل الاقتصادي.
نعم كان التغير تهمة وسيبقى طويلا في المجتمعات الراكدة ركود الاحواض، أما المجتمعات النهرية فقد تجاوزت ذلك الا قليلا.. وهذا القليل لا يسمى تهمة بل استغرابا.
التغير مضماره الأوضح هو الزمن الاجتماعي فهو الساحة الرحبة للتمرد أو الاستسلام، أما الزمن النفسي فهو أشد خفاء في الأفراد أولا والمجتمعات ثانيا: فهناك من يقول:
يومي بأيام لكثرة ما مشت
فيه الحياة وليلتي بليالي
وهناك من يصرخ:
عرعر زماني يا زماني عرعر
عرعرتني لا بد ما تتعرعر
ومقاومة التغير الأزلية والأبدية هي الخوف من الخروج من كهف العادة، الخوف من المجهول الذي لولا اقتحامه لبقي البشر في مرحلتهم البيولوجية.
أي الأزمنة أحب إليك من غيره؟ إذا قلت: إنه الزمن الاجتماعي فسأسألك مرة أخرى: هو الأحب إليك باعتبارك فاعلا تغييريا أم باعتبارك مسالما لما عليه الجماعة؟ وأنت بكل تأكيد تعرف الفرق الشاسع بينهما.
أما أنا فأجمل الأزمنة عندي هو الزمن التخيلي ولا تسأل لماذا؟