طرفة عبدالرحمن

صناعة الوعي بعيدا عن عمائم الثورة

عندما تخوض أي دولة في العالم حربا معينة تجاه عدو لها، نجد أن مواطنيها يمتلكون درجة من الوعي السياسي كفيل بفهم أهم أسباب وتداعيات تلك الحرب، وهذا أمر بدهي، فكثير من شعوب العالم تملك معرفة جيدة بالتاريخ السياسي الذي يخص بلدها بشكل عام، فضلا عن أهم الصراعات السياسية والحروب التي حدثت في ماضي حضارتها. لكن، هل نجد هذا الأمر منطبقا على ثقافات الشعوب العربية؟ أنا شخصيا ضد تكريس الفكر الإيديولوجي، الذي يخلق عقلية عدائية تجاه طائفة أو عقيدة معينة، مهما بلغ خطرها، فهذا أمر يخلف عقولا وعواطف تجتر الأحقاد والضغائن التي تنفجر في النهاية بأشكال عنف مستعرة، ولا أدل على ذلك مما نراه في إيران، التي ابتليت بصفوة سياسية قابعة تحت وعي أيديولوجي حملها مآزق حضارية وثقافية وسياسية، وجعلها تظهر بصورة الدولة السيئة والمزعجة التي لا تنفك عن تصدير الفتن والقتل والسلاح لجيرانها من الدول الأخرى. ليس هذا فحسب، بل أن هذا الضلال السياسي الذي تعانيه انعكس على داخلها، وجعل الشعب الإيراني يدفع فاتورته الباهظة، من قمع للحريات، وتعطيل للتنمية، وارتخاء للاقتصاد، والانحدار بقيمة الإنسان الإيراني مقابل تحقيق الطموح الدموي لنخبة فاسدة من صناع القرار السياسي هناك. وعودة على النقطة الرئيسية، وهي أن معظم شعوب العالم تملك معرفة جيدة بتاريخها ومصادر التهديد السياسي والاقتصادي لوطنها، فهل الأمر ينطبق علينا؟ نستطيع الإجابة عن هذا التساؤل بالنفي. فمعظم شبابنا لم يغذى بالتاريخ السياسي ولا حتى التاريخ الحضاري لوطنه بالشكل المطلوب. لكن لم يفت الأوان على ذلك، لدينا الآن ظروف سياسية تفتح شهية الشباب للمعرفة السياسية والتاريخية التي تخلق فيه أولا: وعيا سياسيا ناضجا للمخاطر المحدقة به، وثانيا: الشعور بأهمية المحافظة على وطنه، الذي بذل الكثير والكثير مقابل توحيده واستقراره وتنميته. وإلى حين العمل على مشروع أيديولوجي يضمن الأهداف الآنفة، علينا أن ننتبه الآن إلى أن الإعلام السياسي بوضعه الراهن في الداخل المحلي والخارج العربي لا يؤسس لفهم واع صحيح بالمجريات السياسية، فإذا جئنا إلى واقع التحليل السياسي من بعض الشخصيات الإعلامية والمثقفة والمهتمة بالجانب السياسي، نجد أنهم يبنون تحليلاتهم على معلومات وأخبار غير رسمية يستقونها من مصادر إعلامية لا تمثل مواقف دول، إنما آراء صحفيين وكتاب. فهناك لبس قائم في مجريات التحليل السياسي بين ما يصدر من تصريح رسمي على لسان مسؤول في الدولة، وبين ما يكتب في الصحف الرسمية على لسان صحفيين أو شخصيات ثقافية. هذا النوع من اللبس يخلق عقلا سياسيا شعبيا لدى المواطن البسيط، تجعله يبني منظومة من التحليلات السياسية العاطفية البعيدة عن الحقيقة. وهذا الأمر متوقع وغير مستنكر في ظل ضعف الاحترافية التي يتمتع بها الإعلام المحلي واستقطابه شخصيات من تخصصات ومجالات مختلفة؛ للحديث عن أمور سياسية لا يفقه بها كثيرا. وهي ظاهرة على ما يبدو لا تختص بنا محليا بل تجلت في قنوات إعلامية أخرى في بعض الدول العربية، وإن كان العتب علينا سيكون أكبر؛ لأننا نحمل قيادة تحالف عربي كبير ومهم يتصدى لعدوان خارجي يهدد أمنه وسيادته وعروبته. وعليه، يجب أن نخدم هذه القضية السياسية بالصورة الملائمة لها.* إعلامية وباحثة اجتماعية