خالد الشريدة

طب بلا إنسانية لا نحتاجه

ليس من مبرر للغلظة في التعامل بين الأفراد بصورة عامة، وفي الأماكن العامة بصورة خاصة، حيث توجد فيها خدمات يقدمها موظفون مهمتهم التعامل مع المواطن أو المراجع بأعلى درجات الرقي والكياسة والتحمّل والصبر، بغض النظر عن أنهم يعملون في وظائفهم التي يكسبون رزقهم منها، ولذلك فإن كل موظف في الدولة ويشغل وظيفة عامة إنما يمثل الدولة والمجتمع، بما يجعله لبقا وخدوما وصابرا.وفي الواقع هناك إساءات تظهر كل فترة وأخرى للوظيفة العامة من موظفين يفتقدون آداب الممارسة العملية التي تشترط وتستوجب أن يبذلوا أفضل ما لديهم، أو يغادروا ويتركوا الوظيفة لغيرهم، لأن مكان العمل ملك لجميع المواطنين وليس منشأة خاصة يمكن أن يتعامل صاحبها بمزاجه، يقبل عليه الناس أو يتركونه، وذلك لا يجوز في أي بيئة عمل عامة، من يغادر ليس المواطن وإنما الموظف الذي لا يستطيع ضبط نفسه أو تحمّل الآخرين.ما قادني الى ذلك تلك الواقعة التي أحال فيها المدير العام للشؤون الصحية بمنطقة الجوف طبيبا يعمل في مستشفى محافظة دومة الجندل إلى التحقيق والتوصية بعدم تجديد عقده، وذلك لتقصيره في التعامل مع حالة شاب تعرض لحادث سير نتج عنه كسر في إحدى أصابع يده.ذلك المريض روى ما حدث كالتالي "إنه بعد مراجعته لأحدالمستشفيات بمدينة الرياض وضعوا له جبيرة على الإصبع المكسور ثم غادر المستشفى، ولكنه عندما عاد إلى الجوف شعر بألم في الإصبع تبعه نزيف من الجبيرة، وعلى الفور توجه المريض إلى طوارئ مستشفى دومة الجندل يوم الخميس الماضي، وبعد الفحص من قبل الطبيب المناوب في قسم الطوارئ استدعى المدير المناوب متخصص العظام الذي رفض الحضور بحجة تعليمات الإدارة ولا بد من وجود تقرير مع المريض، وبعد محاولات عدة اضطر المدير المناوب إلى استدعاء المتخصص الآخر الذي حضر على الفور، حيث أزال الجبيرة وفوجئ بوجود تجمع دموي وتورم في المنطقة المصابة نتيجة تركيب الجبيرة بشكل خاطئ، ومن ثم باشر بإيقاف النزيف وإعطائه العلاج اللازم وموعدا للمراجعة".لم تكن المسألة لتصل حد التعسف والتقصير الفاضح في خدمة مريض لو تمتع الطبيب بالبعد الإنساني فقط بعيدا عن البيروقراطية والتعالي على المريض وعدم تقديره الصحيح لاحتياجه للخدمة العلاجية، لأن ما حدث عقب رفضه يؤكد أن حالة المريض كانت من السوء والتراجع الصحي بما يعجل بالتعامل الفوري معها بغض النظر عن الإجراءات المطلوبة التي يمكن بصورة استثنائية تجاوزها وتأجيلها لما بعد المعالجة، ولذلك يبقى تصرف الطبيب نفسه أشبه بحالة مرضية إدارية تحتاج الى علاج يبدأ بقرار الشؤون الصحية بإيقافه الى حين انتهاء التحقيقات.في جميع دول العالم يتم التعامل مع الحالات الطارئة بصورة بعيدة تماما عن أي إجراءات، لأن الزمن عامل مهم في إدراك الحالة المرضية، فضلا عن الدور الإنساني الذي يعلو على أي إجراءات روتينية، ولكن يبدو واضحا أن هناك استهتارا يتطلب البتر والحسم في التعامل مع المراجعين بهذا النحو السلوكي غير الإنساني، ونأمل أن تعزز وزارة الصحة اشتراطاتها الإنسانية في مثل هذه الحالات وتدعم تحقيقات الشؤون الصحية بالجوف حتى لا يتكرر ما حدث في أي منشأة صحية أخرى.* باحث اجتماعي