سكينة المشيخص

الحرب والسلام في اليمن

صناعة السلام أكثر تعقيدا من إنتاج الحرب، وهي عملية في سياق البناء والهدم، فالأول صعب والثاني سهل، ومجريات الواقع اليمني تقدم لنا نموذجا شديد الوضوح في الصناعة والإنتاج، فالدولة من التعقيد بما انتهى بها إلى طريق مسدود في ظل سيولة عسكرية وأمنية وسياسية كانت تؤشر لخطورة الموقف، الذي يحتاج إلى الحوار، ولا شيء غيره؛ لعدم الوصول إلى نقطة اللا عودة.كمال أتاتورك له مقولة جميلة مفادها "سلام في الوطن.. سلام في كل الدنيا"، وذلك يمكن قياسه على الأوضاع في اليمن من واقع التصرفات السياسية والعسكرية لجماعة الحوثي، التي ضلّت الطريق إلى السلام الوطني، فهددت جيرانها وأمن المنطقة والبحر الأحمر، فاليمن ليست مجرد دولة على خريطة نائية وإنما لموقعها أهميته الإستراتيجية التي لا يمكن أن تتواضع لتصبح بيد قوى خارجية تعبث بذلك الأمن.السيطرة على الدولة تختلف عن ممارسة السلطة، فهناك حسابات ومرجعيات وطنية وسياسية ينبغي وضعها في الاعتبار، حين يبتلع طرف في المكوّن الوطني والاجتماعي الدولة بأكملها، فإنها تصبح عصية على الحلق والهضم، وذلك ما سعى الحوثيون إليه، والأسوأ أن تحركاتهم لم تأت من محفزات وطنية بقدر وجود تأثير أجنبي وخارجي يوجه ويسيطر ويقود وله حساباته التي تختلف عن بقية المكونات السياسية والاجتماعية اليمنية.هكذا يأتي الصراع وتنتج الحروب، وليس سهلا صناعة السلام بالقوة العسكرية التي تمارس ضغطا أو تسلطا على الآخرين، وحين عملت الجماعة على تسطيح الحوار وتقزيم الأطراف الأخرى وعدم احترامها، امتد ذلك كحريق لكل اليمن، والنتيجة المنطقية والطبيعية أن يغيب السلام الذي يجب أن يأتي بأقصر الطرق وأسهلها، ولا يسلك طريقا متعرجا وضبابيا وغائما.وصولنا الى المرحلة الحالية يتحمله الحوثيون ومن يقف وراءهم، لأنه إذا تم احترام الحوار والتزامه، لكان ذلك خيارا سلميا مناسبا لمتغيرات الأوضاع واتجاهاتها، فليس مناسبا إقصاء أي طرف في المعادلة السياسية وحشد الصفوف لمعركة طويلة تنتصر فيها البندقية على العقل، وحتى عندما تنتهي الحرب ويعود اليمنيون للطاولة، من المهم أن يكون هناك مقعد للحوثيين في غطاء وطني خالص، يبعد فيه العامل الخارجي وتأثيره السلبي على قرارهم.لا تزال هناك فرصة لاستعادة السلام الضائع في اليمن، وهناك مساحة وإن كانت ضيقة بمثابة جيب سياسي وأمني لعودة الحوثيين عن الحرب، ونبذ الأفكار العسكرية الضارة بقيمتهم ودورهم في الحياة السياسية، فالحرب ليست دائمة، وإنما السلام الذي يحتاج إلى أمل ومساحات يتمدد فيها؛ لتسلم الأوطان وتحتفظ بأمنها واستقرارها.