مسؤولية جماعية لا فردية
عندما ينخر الفساد في جسد أي أمة فقل عليها وعلى أهلها السلام، وتأكيد قائد هذه الأمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أثناء افتتاح أعمال المؤتمر الدولي لمكافحة الفساد تحت شعار - مكافحة الفساد .. مسؤولية الجميع - الذي استضافته المملكة مؤخرا تحت رعايته الكريمة - يحفظه الله - تأكيده على أن المملكة بادرت بوضع تنظيمات لحماية النزاهة ومكافحة الفساد ، واقرار الاستراتيجية الوطنية لتأسيس هيئة متخصصة ومستقلة لمكافحة الفساد واحتواء شروره يدل دلالة واضحة على أن المملكة - التي تسعى لتصبح نموذجا يحتذى به في النزاهة - ذات ارتباط وثيق وجذري بتعاليم وتشريعات العقيدة الإسلامية السمحة التي نادت باعلاء القيم الانسانية الأصيلة داخل المجتمعات البشرية حفاظا على أمنها وسلامتها ورخاء مواطنيها.والجهود التي تبذلها المملكة لمكافحة الفساد غير مقتصرة على اقرار الاستراتيجية الوطنية بتأسيس هيئة لمكافحة تلك الآفة فحسب. فملاحقة الفساد والمفسدين ظهرت بوضوح عند تأسيس كيان المملكة في عهد المغفور له - بإذن الله - الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، حيث أنشأ العديد من الأجهزة المكلفة بالرقابتين السابقة واللاحقة وبالتحقيق والمحاسبة، اضافة الى اختصاص مجلس الشورى بالرقابة ودراسة أداء الأجهزة الحكومية.ومن هذا المنطلق فان محاربة الفساد ليست عملية جديدة في حد ذاتها فقد سعت المملكة - منذ عهد التأسيس ومرورا بكل العهود المتلاحقة حتى العهد الزاهر الحاضر تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله - لمحاربة الفساد واحتوائه تحقيقا لنشر المبادئ الإسلامية العادلة التي لا تجيز نشر الفساد بكل أشكاله ومسمياته، وتحقيقا للأخذ بأسباب التنمية والنهضة والبناء التي لا تقوم إلا على دعائم النزاهة وقواعدها الصلبة.ولا شك في أن الوصول الى غايات النزاهة وحمايتها هي مسؤولية جماعية تقتضي بالضرورة مكافحة صور الفساد للقضاء عليه، وقد سعت المملكة - منذ تأسيس كيانها الشامخ - الى تعزيز مختلف المبادئ والمسارات التي تصب في روافد المكافحة ووصلت مؤخرا الى وضع الاستراتيجية الكفيلة بكل مفرداتها لدعم الأهداف الرقابية التي من شأنها احتواء ظاهرة الفساد والحيلولة دون استمرارها.إن اهتمام الدولة بمراجعة أنظمة الأجهزة الرقابية والعمل على تعزيزها والارتقاء بأدائها يمثل خطوة هامة وحيوية للقضاء على كافة أشكال الفساد حفاظا على أموال الدولة وضمانا لمحاسبة المقصرين. وقد أشاد المجتمع الدولي - خلال انعقاد المؤتمر - بكل المبادرات التي اتخذتها المملكة لاحتواء ظاهرة الفساد ، وقد صادقت المملكة على مشروع الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد الذي أنشئ عام 2003م. كما قامت استجابة لاستحقاقات الاتفاقية الأممية بوضع الاستراتيجية الشاملة لمكافحة الفساد وحماية النزاهة، وأنشأت هيئة متخصصة مستقلة لتنفيذ بنود تلك الاستراتيجية المتكاملة لاحتواء الفساد وتحقيق الأهداف المرجوة للخلاص من كل أشكاله ومسمياته.لقد حرصت المملكة - حينما دعت لعقد المؤتمر الدولي لمكافحة الفساد - على تبادل الخبرات والتجارب والرؤى الكفيلة باحتواء تلك الظاهرة ، والاستفادة من كل الأفكار والمقترحات التي من شأنها تحقيق الأهداف الدولية المشتركة لتعطيل ممارسات الفساد بكل صوره وأشكاله، والعمل على نشر ثقافة حماية النزاهة. وقد سعت المملكة - بطريقة عملية وفاعلة أثناء تنفيذ مشروعاتها التنموية والاقتصادية والخدمية - الى توجيه جهود الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لمراقبة تلك المشروعات والتأكد من الالتزام باتفاقياتها الانشائية لتلافي أوجه الفساد المالي والاداري التي قد تحدث أثناء عمليات التنفيذ.ولا شك في أن مكافحة الفساد واحتواء سلبياته العديدة تمثل عملا جماعيا يقتضي تعاون كافة الجهات للحيلولة دون استمرارية تلك الآفة تحقيقا لأمن المجتمع وسلامته ورخاء سكانه.* كاتب وإعلامي سعودي