ماذا لو كان الدُّبُّ أصمَّ؟
من يتابع ما يجري، هذه الأيام، من اقتتال عبثي، وتدمير للممتلكات، ومحو للآثار الثقافية، وتكريس للتوحش والتخلف؛ ينتابه شعور بالحزن والقرف ممزوجا بقناعة راسخة، فحواها أن من يقترف تلك البلاهة قد أصيب في عقله وسمعه وبصره. أما المحزن في دوامة ذلك التوحش، فهو مقتل أو جرح عابرِ سبيلٍ مسالم بريء. والأمر المحزن الآخر، هو تلك الصورة المشوَّهة التي تتشكل عن الكل، بناء على ما تقترفه فئة لا تمثل إلا نفسها. كان أبو الطيب واثقا من نفسه حين قال: "وأسمعَتْ كلماتي من به صَمَمُ" ولتلك الثقة ما يبررها، لا لأنّ نبرة صوت أبي الطيب عالية، بل لأن كلماته جميلة، ومعانيها صادقة ومؤثرة، وليس لقلبٍ أو وجدان لا يتفاعل معها عُذْرٌ. هل كان أبو الطيب يشير إلى صَمَمٍ بيولوجي؟ إذا كان الأمر كذلك فتلك عاهة يمكن التغلب عليها. يقول المثل: "إذا كان التلميذ مستعدا فالمعلم دائما هناك". وقد يكون المعلم كاتبا أو مفكرا أو فيلسوفا. أما الصمم الذي يتعذر علاجه فهو صَمَمُ العقل والضمير. ذلك الصمم الذي أعيا الفصحاء ودوّخ البلغاء. إنه صَمَمُ المكابرة، صَمَمُ من فقد الاستعداد، فهو لا يسمع إلا صوت نفسه، ولا يرى إلا ما يريد أن يراه.أُشْفِق على ذي الرؤية الصادقة، والمنطق الصائب، حين يخاطب موتى الضمائر، فلا يترك صوته صدى في العقول أو النفوس. تلك حالة ميئوس من شفائها، يعبر عنها المثل القائل: (إن الظهورَ المقوسةَ لا يقيمها إلا القبر). قديما، كان يقال لمن لا يصل صوتُه إلى أذهان سامعيه بأنه "يؤذِّن في مالطة". اليوم صار الأذان في مالطة ممكنا. وفي مالطة أكثر من مسجد. لكن ماذا عن "مالطة" العقلِ والخُلُقِ والضميرِ في عالَمٍ يتداعى فيه سلَّم القيم؟هذه حكاية أعيد التذكير بها مرة أخرى؛ نظرا لأهمية دلالتها. فقد جرى حديث بين اثنين من ثقافتين مختلفتين حول الدببة. والدببة حيوانات ذكية حادة المزاج سريعة الهياج ومقاتلة شرسة. سأل الأول محدثه قائلا: "تُرى كيف يمكنكم العيش بين أولئك الدببة؟ ألا تخشون على أنفسكم من بطشها؟". وردَّ الثاني قائلا: "المسألة غاية في البساطة، فقد اعتدنا أن نعزف للدببة على الكمان، ويبدو أن للموسيقى تأثيرها السحري، فما أن تستمع الدببة للموسيقى حتى تسترخي أعصابها وتصبح وديعة مسالمة لا تؤذي أحدا"! عندئذ تَفتَّق حَذَرُ الأول عن السؤال التالي: "لكن لنفترض أن بين تلك الدببة دبَّا مصاباً بالصَّمَم لا يسمع موسيقاكم؟". ذلك هو بيت القصيد، والسؤال الذي يلخص فكرة هذا المقال.هذا عن فقدان السمع، فماذا عن فقدان البصر؟ الذين تغزلوا في العيون الجميلة لم يسألوا إن كانت تلك العيون ترى، أم أن عليها غشاوة، فهي لا تبصر، شأنها شأن عيون التماثيل. العمى ظلمة حالكة، وهو خطوةٌ تتعثر في ليلها، وتؤثّث عالَمها بالخرابْ، وهو رحلة نحو المجهول يقودها أشباح التخلف. تتعدد أنواع الغشاوات والعمى واحد. وإزاء تلك الظلمة العقلية، يلاحظ أفلاطون قائلا: "يمكننا أن نتفهم خوفَ الطفل من الظلام، أما المأساة فهي أن يخاف الكبار من الضوء"! ولم يكن أفلاطون يعني فوبيا أو رهاب الضوء المتعارف عليه عند الأطباء، وإنما يشير إلى من يغمض عينيه خوفا من ضوء الحقيقة، وضوء الحب وضوء الجمال.* متخصص في الإدارة الدولية المقارنة