وفي تاريخنا المجيد مواقف عظيمة تبيّن الدور الكبير للمرأة، بدايةً من مواقف خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، شريكة النجاح، التي آمنت وساندت وواست، وكانت سندًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الدعوة، ومرورًا بموقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عند الاستعداد للهجرة النبوية؛ حين جهزت زاد الرحلة، ولم تجد ما تربطه به، فشقّت نطاقها واستعانت به في ربط الزاد، فسُمّيت ذات النطاقين.
هذا الموقف يستحق أن نتوقف عنده طويلًا؛ فقد رأت أسماء حاجةً، وأسهمت في قضائها بما تملك، وهنا درس عظيم لبناتنا، ولنا جميعًا: أن المبادرة تبدأ بالشعور بالمسؤولية، وأن صاحب الهمة يبحث في المتاح عن طريق يصل به إلى غايته.
كم من فكرة نافعة توقفت لأن صاحبتها تنتظر اكتمال الظروف؟ وكم من قدرة جميلة بقيت حبيسة التردد؟ قد تكون البداية درسًا تقدمه معلمة بإخلاص، أو كلمة تعيد الثقة إلى طالبة، أو مبادرة تعين أسرة، أو علمًا تنتفع به امرأة، فتنتفع به أسرتها من بعدها. تلك أعمال تبدو صغيرة في بدايتها، لكن أثرها قد يمتد إلى أجيال.
وبناتنا اليوم يملكن من العلم والفرص ووسائل التأثير ما يجعل انتظارنا منهن كبيرًا، وهذا الانتظار يحمّلنا مسؤولية أن نثق بهن، ونحسن توجيههن، ونفتح أمامهن أبواب العمل النافع، ونمنحهن فرصة التجربة والتعلم. فمن الظلم أن نطالب بالعطاء ثم نضيّق مساحته، أو ننتظر المبادرة ثم نقابل كل محاولة بالتقليل والتثبيط.
ومن واجب المؤسسات التعليمية أن تجعل هذه المعاني حاضرة في برامجها، فتربط المعرفة بخدمة الناس، وتحتفي بالمبادرات المفيدة، وتساعد كل فتاة على اكتشاف ما تحسنه؛ فهناك من تنفع بعلمها، وأخرى بحسن إدارتها، وثالثة بقدرتها على جمع القلوب حول مشروع خير، ولكل واحدة باب تستطيع أن تترك من خلاله أثرًا جميلًا.
ولعل أجمل ما نتعلمه من أسماء رضي الله عنها أن خدمة القضايا العظيمة تبدأ أحيانًا بتفصيل بسيط، تؤديه نفس مؤمنة بقيمة دورها.
بناتنا العزيزات، أحسنَّ استثمار ما تحملن من علم وقدرة، واجعلن لكنّ في كل موضع بابًا للنفع؛ فالأيام تمضي، ويبقى للإنسان ما غرسه في غيره.



