محمد العلي

امتحان الزمن

تساءل الناقد عبدالرؤوف الغزال في زاوية صغيرة بهذه الجريدة، تساءل: كيف نقيس نجاح كاتب ما؟ هل نقيسه بالشهرة؟ هل نقيسه باشادة النقاد؟ وسريعا أجاب نفسه بالقول: لا هذا ولا ذاك.. بل هو اجتياز امتحان الزمن.الزمن كالطوفان لا يلتفت الى الغرقى ولا الى الصخور، والنسيان من أشد أسلحته فتكا، فهو يمحو الفرح العامر الذي لا يغرس أشجاره في القلب ويمحو الحزن العابر الذي لا يصل جمره الى الروح، وقد مضى الشعر العربي منذ طفولته والى زمن طاعن وهو يئن من الزمن الذي لم يسلم شاعر من سهامه.الزمن ليس دقائق أو نبضات مثل دقات القلب - كلا - الزمن هو الافق الذي يفكر فيه البشر في أنفسهم وفي حياتهم وكيف كانوا والى اين يسيرون، والزمن ليس امتدادا مثل النهر .. الزمن انحراف من طريق الى طريق، من ذوق الى ذوق، من رؤية الى رؤية أشد اتساعا وبياضا.الدهر نقاد على كفه جواهر يختار منها الجيادهذا ما يقصده الناقد الغزال: أي ان الزمن لا يثبت أمام خطواته القاسية إلا العمل الابداعي الذي يعاند شهوته للتحطيم، شوقه الى النجاة في حبه للغرق والغرقى.الشهرة هي أبعد من ان تكون مقياسا للجودة .. والابتكار والابداع .. بل الأحرى ان تكون مقياسا لعدم الفهم لأن العمل الابداعي يشتهر عندما يخاطب الناس بما يريدون لا ان يخاطبهم بالذي يتصادم مع أذواقهم وقناعتهم.. وإشادة النقاد مبنية على المناهج المختلفة والمنهج الانطباعي هو السائد في الغالب واذا يبقى المقياس الذي يصوغه امتحان الزمن هو المقياس المضيء.الزمن لا يعرف إغراء الشهرة ولا يهمه كيف أضاء هذا وانطفأ ذاك، ولا يعرف مناهج النقاد وكيف انهم في كل واد يهيمون، إنه يعرف من يعانده ومن يقول له: ليس لقدميك ان تمر علي وعلى وهجي، سوف أبقى مهما استخدمت سلاحك.الزمن يعرف الثابت في المتحول أو المتحول في الثابت.. يعرف الابداع عاريا من الشهرة ومن النقاد ومن توقف الخطوات الى الأمام..كان الزمن يضحك حين سمع قول المتنبي: صحب الناس قبلنا ذا الزمانا وعناهم من أمره ما عنانا وتولوا بغصة كلهم منه وإن سر بعضهم أحياناولكنه بكى حين سمعه يقول: كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنافاهل تعرف لماذا بكى؟