د. محمد حامد الغامدي

أم ناصر تنسج رؤية المستقبل

 لا يستطيع الفرد التخطيط لحياته، إذا كانت مسيرتها بيد آخرين، أقصد الحياة العملية، أقصد توظيف وعمل النساء في بلدي الحبيب، تلميح لبعضهن، عندما تشتد المنافسة، تصبح التضحيات أكبر، هناك مقاصد كثيرة لكل فرد، هناك أمثلة حيّة، عندما تخطط الطّالبة وفق معايير اجتماعية، فالتدريس هو الأقرب، بلغة أطفالنا (أبلة)، يتخرجن من الجامعة بالفرح والاحتفالات، تأتي التبريكات، لتزيد سعر (الكيك) وتشكيلاته، بجانب عصائر قادمة من المريخ الأقحواني، احتفال تحقيق الأمل الأول. أم ناصر إحداهن قبل أن تصبح أم ناصر، تخرجت، إلى طوابير انتظار الوظيفة، ليس أمامهن غير التعليم، الأبوب مغلقة، في بيوتهن يواصلن مهنة (يستقرن)، يرددها الكون السعودي، الدوام في المطبخ، الانتداب للصالة وملاحقها، عندما يتحول الأمل الى صدمة، فهذا يعني القهر، أحيانا تكون الصدمة المقدمة الأولى للفوضى. تزوجت أم ناصر، احتفال عظيم، تدشين الى الحياة الزوجية، يذكرني بتدشين السفن الحربية الى المياه، لتكابد تقلبات الأجواء، وارتطام أمواج البحر، أيضا الاكتواء بملوحته، هكذا يتم الزفاف، لا يتم الفرح إلا بذبح الخراف، يفترس النّاس لحمها، يقولون عنه فرح، من ناحيتي هي حشوة من توابل، لا تكتمل صدمتها إلا بعد حين. وجدت أم ناصر نفسها أمّا في بيت الزوجية، تكررت التجربة، وصل عدد الأبناء أربعة في (16) عاما، لم يتوقف البحث عن مكان شاغر، التعليم وإن طال الزمن، سنين طويت، أعوام الانتظار تتوالى، تقلّبات مزاجية تأتي وتذهب، مسؤول يأتي ويذهب، وعود تأتي وتذهب، أشياء تأتي وتذهب وهي تنتظر، الكل يتفرج على الكل، لا حل يأتي، لا أمل ينقطع، مشكلة أم ناصر وغيرها من زميلات التخرج، كيف يمكن القضاء على الأمل؟! لم يجد العالم مخرجا لنهايته، كيف ينتهي الأمل؟! هناك من يبحث عن حقوق وعدل وكرامة. بعد (16) عاما، جاءها من ينادي، مبروك (جالك) وظيفة، تجدد الفرح بناس جدد في حياتها، زوجها أبو ناصر هلّل وكبّر، أربعة من البنين والبنات، شاركوا في احتفالية ثمرة الانتظار، عمّت الفرحة أرجاء البيت، الجيران، جيران الجيران، تناقلت الوكالات العائلية الخبر، تولّت نشره بين الأقارب والمعارف والأصدقاء، حصاد الصبر والانتظار، الوظيفة في السلك التعليمي تحققت أخيرا. ذهبت بأوراقها تجدد التّاريخ، تضيف معلومات، تلغي أخرى، جاءت نهاية لحظة الجرح، تأتي بجرح جديد، التعيين في مدرسة تبعد عن منزلها بحوالي (500) كلم، صدمة أخرى، هذه المرّة ليس لها وحدها، صدمة للزوج، لأربعة أبناء، أكبرهم في عمر لا يزيد على (14) عاما، هي الحقيقة، خذها أو اتركها لصانعها، الصمت لم يتوقف، ساد معه حزن الجميع، زادت معه مساحة الحيرة، تعاظمت معه محنة التردد، ما القرار الذي يُرضي؟! رجعت أم ناصر تشكل أملا جديدا، أملا آخر، بقرار تعيينها في المكان البعيد، الأمل يشكل التطلعات ويكثف ملاحقها، يمكن أن تكون البداية صعبة، لكن قد يأتي النقل الى مقر الأسرة بعد عام، هكذا أعلن الأمل عن نفسه، أجبرها إعلان التحدي بخوض التجربة، أعلنت أنها ستقتحم أهوال التحدي، قررت توديع الجميع، قررت العيش أيام التدريس بعيدا عن محيط العائلة، إليهم تعود في نهاية عطلة الأسبوع، رحلات لا تتوقف، عمليات إفراغ وتحميل لكل أنواع المشاعر. القرار جاء بتعزيز ومساندة الجميع حولها، حتى الأبناء تحاشوا تعكير صفو مزاج الأم، أو وأد أملها الجديد، طال انتظارها، عليهم مساعدتها، هكذا كان القرار، جاءت ساعة الرحيل، ذهبوا برفقتها في سيارة الى مقر العمل، ثبّتوا أركان متطلبات الحياة، ظلّت أم ناصر وحيدة في مقر العمل، رجع الأب مع الأبناء يحملون الصمت، والغربة، والتساؤلات، وكآبة الموقف. أم فيصل عاشت أحزان ما بعد الوداع، انهمرت دموع غزيرة، التوقف هنا رحمة، لا أرغب في الاسترسال، استكمال وصف المشاعر يعني اجترار أشياء تسوء، الوجدان مثل المرآة، تنعدم الرؤية مع تكثف بخار الماء على سطحها، على سطح الوجدان تكثفت نتائج المواقف وأمواجها، يتمدد تأثيرها، لا ينكمش مع الظروف الغامضة والمبهمة. أم ناصر نموذج لوضع تدفع النساء الثمن، تدفع الأمهات الثمن، يدفع الأبناء الثمن، قد يقول البعض إذا كان الأمر لا يُعجب، فلماذا تركب أم ناصر الصعاب وتتغرب عن أسرتها؟! تساؤلات غير عادلة، أوضاع غير مُنصفة، الحياة تبحث عن العدل، محور الكرامة، أم ناصر اختارت الطريق الصحيح. هن نساء بلدي المتعلقات بالأمل، يزحفن نحو الأطراف، في مسيرة تاريخية، مسيرة تقول للجميع نحن هنا، لا يهم موتهن في حوادث الطرق، فتلك مسؤولية الرجال حولهن، يؤدين رسالة إنسانية عظيمة، البعض لا يراها، لا يرى بعدها المستقبل، نساء بلدي ينسجن تاريخا جديدا، يبنين ملحمة جديدة، يتحدين الصعاب والغربة والبعد. سلام تعظيم لأم ناصر وأمثالها، رافعات شعار التحدي، يرسمن طريقا جديدا للأجيال القادمة، ذكورا وإناثا، سلام تعظيم لكل أم تخوض حرب البعد والحنين، سلام تعظيم لكل زوج يتحمل ويعزز، سلام تعظيم لكل الأبناء، يتعلمون معنى التضحية، يجسدون بسالة الموقف، سلام تعظيم لنساء بلدي الجسورات، الخيّرات، الطموحات، نّساء ينسجن صيغة المستقبل الذكوري في البلد.  أكاديمي- جامعة الملك فيصل