خليل الفزيع

يبدو أن الجور قد امتد إلى السلوك العام

كنا ولا نزال نسمع عن الصيد الجائر للأحياء البرية، والسطو الجائر على الأراضي، والضرب الجائر لتلاميذ المدارس، ويبدو أن الجور قد امتد إلى السلوك العام لدى بعض الفئات التي تمارس تصنيفات، أقل ما يقال عنها إنها تصنيفات جائرة تمس أبرياء لا ذنب لهم، سوى أنهم لا يتفقون مع تلك الفئات في الرأي، انسياقا وراء مبدأ إن لم تكن معي فأنت ضدي، لذلك ينالهم من جور تلك الفئات الشيء الكثير عن طريق ما يمكن أن نسميه التصنيف الجائر، المرتكز على مجرد الاختلاف في الرأي. ويتضح هذا الجور أكثر في التصنيفات الفكرية، التي تطال أناسا لا علاقة لهم بما يوصفون به من قبل تلك الفئات، التي أقل ما يقال عن سلوكها هذا أنه نوع من التضليل أو التشفي أو الانتقام أو كل ذلك معا، وهذا التصنيف الجائر أفرز جملة من العناوين المرفوضة، التي تصنف الناس ضمن إطار محدد، هم أبرياء منه؛ لأنهم لا يعرفون معناه، ولا يشغل فكرهم أو حياتهم، بل لا يشكل لهم هاجسا على أي مستوى حياتي أو فكرى؛ لأنه لا يعنيهم من الأساس، وهذا السلوك هو مما يدخل في قائمة الغدر والتشفي، فمن يختلف معهم هو علماني أو ليبرالي أو حداثي، أو ما شابه ذلك من التصنيفات التي يعتبرونها خروجا عن الملة، ووصمة عار لا تمحى آثارها مدى الحياة، وكل ذلك لمجرد الاختلاف في الرأي، والاعتراض على بعض التصرفات المتشددة، التي تمارس ضد الناس دون وجه حق. وهذه التصنيفات الجائرة لا تخدم أحدا، لا تسيء إلى من توجه له بقدر إساءتها لمن يطلقها جزافا على الناس؛ لأنه يثبت أن حجته ضعيفة، وفكره فج، لا يستطيع تسويقه على غيره إلا بمثل هذه الأساليب المعوجة، ضد أناس لا تنقصهم شهادة أولئك المتشنجين، ولا ادعاءاتهم الباطلة وتصنيفاتهم الجائرة للناس؛ لمجرد الاختلاف في الرأي. ثم إن هذا نوع من التشدد والتطرف، الذي لا يستقيم مع سماحة الإسلام، وسمو خلق المسلم، الداعي إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالتشنج والانفعال والقسوة، وما يفرزه ذلك من تصنيف جائر للناس دون وجه حق، ومتى كان للجور وجه وحق، ولا تأنيب ضمير. وهل فكروا فيما يمكن أن يجلبه هذا التصنيف على غيرهم، عندما يشاع بين الناس، ويصبح لديهم شبه قناعة تامة بصحته، خاصة إذا صدر من أناس يوهمون غيرهم بأنهم على حق في ادعاءاتهم الباطلة، وتصنيفاتهما الجائرة، وسلوكهم المعيب. تصنيفات لا تدخل ضمن اهتمامات الناس، ولا حتى فهم معظمهم، لكنها جاهزة لدى ضعاف التفكير السليم، يلصقونها بمن يشاءون ووقت ما يشاءون، دون مراعاة لما قد تجلبه من ضرر؛ بسبب الجهل المطبق بمعنى تلك التصنيفات، فأن تكون علمانيا أو ليبراليا أو حداثيا، فأنت منفي من رحمة هؤلاء الذين يعتقدون أنهم أوصياء الله على خلقه، فينشغلون بعيوب الناس عن عيوبهم، ولو أصلحوا عيوبهم ثم دعوا إلى ما يؤمنون به بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لأفادوا واستفادوا، وليس بالتشنج والانفعال واتهام الأبرياء بالتصنيفات الجائرة، يمكن الوصول إلى الإصلاح، ورب ملم بالعلم يسخره للإضرار بالناس، تقوده قدماه إلى ارتكاب إثم التشدد والجور، وفي ذلك معصية وظلم كبير، ضد الأبرياء من الناس، الذين يمارسون حياتهم بعفوية واستقامة، ثم يفاجأون بمن يخضعهم للتصنيفات الجائرة دون وجه حق. ليس في تصنيف الناس أي خير لأحد، وهو لا يخدم قضية، ولكنه يزرع الفتنة بين الناس ويشيع العداوة في المجتمع، ويتفاقم العداء بين المتهم وخصمه، وكل ذلك يؤدي إلى الخلافات التي تدمر المجتمع ولا تبنيه. * رئيس مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي