محمد السماعيل

حوار حول التنمية البشرية

قال صاحبي: إن الموارد الطبيعية غير المتجددة التي صنفها الباحثون البيئيون مثل الفحم والنفط والغاز الطبيعي، هي معرضة لخطر النضوب والنفاد، بينما الموارد البشرية تتكاثر وتنمو وترتقي الى السمو ما دامت الحياة مستمرة، ولأن الاستثمار في الثروة البشرية مطلب أساسي ومهم، فإن حكومات الدول الحصيفة تهتم بمواردها التي لا تنضب أيما اهتمام، وترعاها أيما رعاية، ولهذا تقوم بإنشاء صناديق رائدة كصندوق تنمية الموارد البشرية الذي يهدف الى دعم جهود تأهيل القوى العاملة الوطنية وتوظيفها، بوصفها العمود الفقري لإستراتيجية الدول التي تناضل من أجل التطور والنمو والتقدم والازدهار في شتى المجالات باعتبار أن الانسان "الموارد البشرية" هو حجر الزاوية الأساس في انطلاق التنمية الشاملة، ثم تساءل قائلاً: هل نجحت خطط تنمية الموارد البشرية في بلادنا خلال الفترة الماضية في تأهيل المواطنين وإدماجهم في سوق العمل؟ أم علينا بذل المزيد من الجهود من أجل الوصول بواقع التنمية البشرية الى المكانة المناسبة التي تليق ببلادنا؟ أم إنه ينطبق علينا المثل العامي الشهير "يا مطوطي في جليب" الذي يعني النداء بصوت عال في بئر عميقة، ولا تسمع سوى الصدى يتردد دون أن ترى شيئاً؟! وأضاف متحسراً: لا أجد مبرراً منطقياً يفسر هذه الظاهرة التي نعيشها، وهي زيادة مواردنا البترولية بهذا الشكل الكبير الذي يشكل أكثر من 90% من دخلنا القومي، يرافقها زيادة كبيرة في نسبة البطالة والعطالة والاتكالية والاعتماد على الغير، حيث بلغت نسبة البطالة للسعوديين لعام 2014 م 11.8%، وهذا ساهم في ايجاد نوع من الخلل في التركيبة الانتاجية لمجتمعنا، بدليل أنه منذ قرن من الزمن تقريباً كانت التركيبة الاجتماعية في بلادنا تنعم بطاقات بشرية انتاجية في كافة المجالات الزراعية والصناعية والعمرانية، حيث كان سكان المملكة عام 1974 م 7 ملايين نسمة، منهم 800 ألف أجنبي فقط، وكان الحرفيون السعوديون منتشرين في اصقاع قارتنا السعودية، ويمثلون حضارتنا أفضل تمثيل، ما جعلنا نفتخر بهم ونعتز بأعمالهم، أما اليوم فمجتمعنا شبه عاجز، لأننا لا نجد فيه مواطناً يخبز لنفسه رغيفاً، ولا يخيط ثوباً يستره، على الرغم من أن سكان المملكة اليوم حوالي 30 مليون نسمة، يشكل السعوديون حوالي أكثر من 20 مليون نسمة، ويبلغ عدد السكان الأجانب حوالي 9.7 مليون نسمة يشكلون نحو ثلث سكان المملكة (32.4 في المائة)، فيما يشكل السكان السعوديون قرابة الثلثين (67.6 في المائة).قاطعته قائلاً: ولكن وزير العمل المهندس عادل فقيه قال: إن وزارته مطالبة وفق قرار وزاري، بتخفيض إجمالي عدد العمالة الوافدة، ليصبح 20 في المائة من عدد السكان، وما هي إلا مسألة وقت، فاصبر إن الصبر جميل!!. وحين طلبت منه الكف عن جلد الذات، استنفر بكلمات حصيفة أثرت في نفسي أيما تأثير، حيث قال: إن الاستثمار في الثروة البشرية سيسهم في بناء جيل يعتمد على الله ثم على ساعديه، وسيسهم ذلك في بناء اقتصاد قوي ومجتمع بعيد عن العجز والاتكالية، حتى لو كان لدينا أي ندرة في الموارد الطبيعية مستقبلاً، وأنا عندما أنتقد مجتمعي فإني أنتقد نفسي، لأني فرد من هذا المجتمع، ونقد الذات هو أرقى درجات الثقة في النفس، اما مدح الذات فهو أدنى درجات عدم الثقة في النفس، ووجود هذه الفجوة الكبيرة بين مهارات الأيدي العاملة في بلادنا وبين متطلبات سوق العمل والوقوف أمامها وتوضيحها ليس فيه شيء من جلد الذات.. بل يجب أن نعترف بها، لأن الاعتراف بها هو أول درجات التقويم والنجاح.هنا أخذت أهون على صاحبي قائلا: كل مشكلة ولها حل، والمسألة مسألة وقت، ولا أظن أن المشكلة بهذا الحجم الذي تتصوره، فهون عليك، وما أن عم الصمت قليلاً حتى انفجر عليَّ قائلاً: ألا تعلم أن عدد طلبة التعليم العام في المملكة وفق الإحصاءات الأخيرة للوزارة، بلغ أكثر من خمسة ملايين طالب وطالبة، وأن في التعليم العالي حوالي أكثر من مليون وثلاثمائة وخمسين ألف طالب وطالبة، وألا تعلم أن عدد الجامعات الحكومية والأهلية في بلادنا بلغ "36" جامعة، وإن برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للابتعاث الخارجي به قرابة 150 ألف مبتعث ومبتعثة، ومع تخرج هؤلاء وعودة عشرات الآلاف من المبتعثين، هل سيقوم صندوق الموارد البشرية أو غيره باستيعاب هذه الاعداد الهائلة وايجاد فرص العمل لهم وتوظيفهم؟، وختم اللقاء عابساً بقوله: ربما أننا في حاجة ماسة في هذه المرحلة التاريخية الى انشاء وزارة للموارد البشرية والتطوير الإداري.