الاستثمارات الأجنبية في المملكة (3)
تحدثنا في المقالات السابقة عن أهمية الاستثمارات الأجنبية ودورها في التنمية الاقتصادية، ومدى تأثر الأسواق السعودية بتدفق رؤوس الأموال الأجنبية إليها ومردودها الايجابي على تنويع موارد الاقتصاد، فضلاً عن تطرقنا للإجراءات والشروط والضوابط اللازم توافرها للبدء في إنشاء المشاريع الاستثمارية بمختلف أنواعها، ومازلنا نواصل الحديث حول هذا الموضوع الحيوي المهم.وبداية يمكن القول إن تعامل المملكة مع سياسة الاستثمار يتم وفق ضوابط حددها نظام الاستثمار الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 5/1/1421هـ ولائحته التنفيذية، ويتم بمقتضاها تعزيز العديد من القطاعات المختلفة. ومعلوم أن المملكة سعت منذ فترة طويلة لتنويع مصادر دخلها لتقليل الاعتماد على النشاط التقليدي المتمثل في نشاط الزيت والغاز الذي يعتبر مصدراً مهماً في بناء اقتصادها، بغية فتح فرص جديدة، وهذا التنوع يمثل عاملاً من أهم عوامل جذب رؤوس الأموال الخارجية والاستفادة منها في الداخل.وفي هذا الخصوص فقد أشارت الهيئة العامة للاستثمار إلى أن المملكة تهدف إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تتوافق مع استراتيجياتها وأهدافها لتوطين المعرفة، ونقل التكنولوجيا الحديثة لتطوير المنظومة العامة للمملكة، وخير مثال على ذلك أن قطاع تقنية المعلومات والاتصالات في المملكة هو الأكبر في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى فإن هذه السياسة تساعد على توفير فرص العمل لمختلف الفئات، وإعداد كوادر بشرية مدربة في العديد من المجالات والقطاعات. وفي جانب آخر فإن الحكومة تعكف على دراسة ووضع الخطط والاستراتيجيات التي يمكن أن تفتح آفاقاً رحبة لحركة الاستثمارات الأجنبية، ومن ذلك مراجعة وتطوير الأنظمة لكي لا تعيق حركة الاستثمار، وشريطة أن تتماشى مع مصالح المملكة وسيادتها وفقاً لنظامها الداخلي، واتساقاً مع الاتفاقات الدولية التي تكون المملكة طرفاً فيها.ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تتهيأ المملكة لإيجاد استثمارات تنافسية في جميع القطاعات، لخلق بيئة تنافسية يكون لها مردود فاعل في تنمية الاقتصاد الوطني، فإلى جانب قطاع تقنية المعلومات والاتصالات والمشاريع التي تستهدف توفير فرص عمل متنوعة، نجد التوجه الجاد نحو قطاعات أخرى، كقطاع الرعاية الصحية والنقل والتعليم والبنية التحتية، فهذه القطاعات أصبحت الآن مهيأة لتكون قطاعات تنافسية حقيقة، حيث تفرض نفسها كفرص كبيرة للمستثمرين المهتمين بالاستثمارات طويلة الأجل. وهناك العديد من القطاعات الأخرى التي تستقطب الاستثمارات الأجنبية والتي يصعب الوقوف عليها وحصرها في مقال محدود كهذا.وإذا كانت المملكة تولي سياسة الاستثمار عناية فائقة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الداخل، فإن ذلك مشروط بأن تكون هذه الاستثمارات وفقاً للأنظمة واللوائح التي سنتها المملكة، وفي حال مخالفة المستثمر الأجنبي لأي من الأنظمة النافذة في المملكة، فعندها يتم تطبيق ما نص عليه النظام، وفي هذا الشأن أوردت المادة الثانية والعشرون من اللائحة التنفيذية لنظام الاستثمار الأجنبي أنه في حال مخالفة المستثمر الأجنبي لأي من الأنظمة المرعية فإن الهيئة تقوم بتبليغه كتابة وتمنحه فترة معينة لإزالة هذه المخالفة، فإذا لم يقم بإزالتها فإنه يتعرض لجزاءات مقررة في النظام، مع مراعاة القواعد الشرعية التي تفرض العدل والإنصاف على جميع الأطراف، علماً بأن المنشأة المملوكة بالكامل لسعوديين لا تحظى بفرصة التبليغ والمهلة، إذ تطبق عليها العقوبة في الأنظمة الأخرى دون مهلة للتصحيح، وهذه ميزة راعاها المنظم السعودي آخذاً في الاعتبار ضرورة أن تمنح الاستثمارات الأجنبية مهلة من الوقت لتصحيح المخالفة كأحد وسائل جذب الاستثمارات للمملكة. وفي حالة صدور قرار ضد المستثمر الأجنبي فهذا لا يجرده من حقه في الاعتراض لدى مجلس الإدارة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إبلاغه بالقرار، وفي هذه الحالة يجب على مجلس الإدارة أن ينظر ويفصل في الاعتراض المقدم إليه خلال مدة زمنية لا تتجاوز ثلاثين يوماً. فإذا رفض المجلس قرار الاعتراض فعندها يحق للمعترض أن يتظلم أمام ديوان المظالم خلال ستين يوماً من تاريخ إبلاغه بالقرار.وختاماً يمكننا القول إن المشروعات الاستثمارية التي تتم داخل المملكة سواء الجارية أو المخطط لها سوف تؤدي إلى بلوغ مستوى متقدم من التكامل الاقتصادي وتسريع وتيرته، تلبية لمتطلبات العصر الحديث وسعياً لملاحقة ركب التقدم والحضارة وتحقيق النمو والازدهار في كافة مجالات الحياة. المحامي والمستشار القانوني