فوبيا الآثار الجانبية
عندما يقول شاعر "أنا مريض بك" فهذه عبارة مجازية حمَّالة أوجه، يمكن أن تعبر عن الحب أو نقيضه، غير أنه لا يوجد في المعاجم الطبية مرض كهذا، لا يوجد فيها سوى الأمراض العضوية أو النفسية، كذلك نتحدث مجازاً عن مرض حضاري أو ثقافي، وهو مرض يصيب الأمم، فيشل حراكها التنموي، ويعطل قدراتها الإبداعية.في منتصف القرن التاسع عشر أطلق الغرب على الدولة العثمانية مسمى"رجل أوروبا المريض"، كان أول من أطلق ذلك التعبير قيصر روسيا نيكولاي الأول، كان المرض حضاريا، وكان الغرب ينتظر إعلان الوفاة ليتقاسم التركة، وهو ما حدث في بداية القرن العشرين، وقد نشرت مجلة (بنش) البريطانية كاريكاتيرا ساخرا شبهت به حال الدولة العثمانية بشركة أسهمها مطروحة للاكتتاب، وعندما توفي الرجل المريض ورث من كان تحت وصايته تركة ثقيلة من الأمراض الاجتماعية والثقافية والاقتصادية يمكن إدراجها جميعا تحت عنوان: التخلف.تطلَّب علاجُ تلك الحالة قادةً ومصلحين وعلماءَ ومفكرين ومضاداتٍ حيوية فكرية، وفي المقابل، كان هنالك من يقف أمام أية محاولة للتغيير محذرا من الآثار الجانبية السلبية لهذا العلاج أو ذاك، هذه هي الحجة الظاهرة، أما السبب المستتر وراء الممانعة فهو أن بعض مبادرات التغيير تسحب البساط المادي أو المعنوي من تحت أقدام الممانعين، وتفقدهم شيئا من امتيازات لن تتضرر لو بقيت الحال على ما هي عليه.أما لماذا يمانع عامة الناس وليس لهم في تلك الامتيازات ناقة ولا جمل؟ فذلك لأنهم واقعون تحت تأثير المستفيدين من بقاء الحال على ما هي عليه، ومن المفارقات العجيبة أن الأشدّ ممانعة وتصلبا إزاء أي جديد هم الأقل معرفة وثقافة، مما يؤكد صحة العبارة القائلة: "من يعرف كثيراً يغفرْ كثيرا"، والسؤال هو: هل يوجد شيء كامل بالمطلق؟ وهل توجد ثمة وجبة مجانية؟ يبدو أنه لا يوجد شيء من ذلك القبيل، وأن المضاعفات الجانبية السلبية موجودة حتى في الدواء.لنستعرض بعض الأمثلة: قبل شيوع استخدام الآلة الحاسبة كان الطلاب يجرون العمليات الحسابية المطوَّلة والمعقدة، وكان ذلك بمثابة تمارين ذهنية مفيدة، لا أعرف تأثير استخدام الآلة الحاسبة على اللياقة الذهنية لـ"جيل الدجيتال"، لكن إذا كان التأثير سلبيا فإنه لا يبرر الامتناع عن استخدام الآلة الحاسبة، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن استخدام الآلة الطابعة، فقبل تطور الطباعة، واستخدام مفاتيح الطابعة في الكومبيوتر والهاتف المحمول كان الطلاب يبدعون في رسم أنواع الخطوط المختلفة، أما اليوم فيجمع التربويون على رداءة خطوط الطلاب، فهل يتم التخلي عن استخدام الآلة الطابعة؟كذلك، كانت المضايقات والمعاكسات المزعجة الناجمة عن استخدام الهاتف الثابت على أشدها في بداية انتشاره، لكنه لا توجد، اليوم، شكوى من هذا القبيل، ويمكن تعميم ذلك على كثير من المستجدات التي ما أن يعتادها الناس حتى تخف المشاكل الناجمة عنها، غير أن حجة الآثار الجانبية السلبية قد استخدمت بشكل مبالغ فيه، وكان شعار الممانعين المثل الشعبي القائل: "الباب إللي تجي منه الريح سده واستريح".وبعد: لو أراد شخص ما العيش خارج الزمن أو على هامشه، واختار أن يحصّن نفسه ضد الآثار الجانبية للحياة العصرية، وأغلق الأبواب التي تتسلل منها الريح، فهذا شأنه، من حق الفرد أن يختار نمط الحياة الذي يناسبه ما لم يفرض خياراته على الآخرين.