هل بدأ الغرب يعي موضع اشتعالات المنطقة؟
ظلت القضية الفلسطينية ترواح مكانها، لا بل تزداد تعقيدا يوما بعد آخر بفعل تشابك المصالح الدولية، وانحياز القوى الغربية إلى جانب اسرائيل، ونتيجة نفوذ اللوبي الصهيوني في العديد من مفاصل السياسة الدولية، وقدرته على توظيف رأس المال في دفع المؤيدين للدولة العبرية إلى سدة السلطة، في الوقت الذي كان فيه القرار العربي عاجزا عن تسجيل أي خطوة فاعلة لصالح القضية بسبب اتساع رقعة الخلاف بين مكوناته، ثم اختراقه من قبل بعض القوى الاقليمية والدولية التي أرادت أن توظف القضية العربية الأولى لمصالحها السياسية والاقتصادية. وبعدما تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى ذيل القائمة العربية بفعل التطورات الدراماتيكية التي شهدتها وتشهدها المنطقة بعد ما سمي بالربيع العربي، وانشغال معظم الدول العربية بشؤونها الداخلية، ثم تصاعد الخلاف بين الأخوة الفلسطينيين في فتح وحماس، وتعثر جهود المصالحة تارة، وبطء تحركها تارة أخرى، ما جعل أكثر المتفائلين يجزم بأن القضية باتت تعيش أكثر ساعات ليلها ظلمة، جاءت التحركات الغربية سواء على المستوى القضائي والعدلي الدولي أو على المستوى البرلماني لتلقي حجرا في بحيرة هذه القضية الراكدة، لتصنع المزيد من الدوائر اللافتة للانتباه، وتطرح عديد الأسئلة عما إذا كان الغرب قد وعى بالفعل أن الجذر العصبي لكل ما يحدث في المنطقة يبدأ من، ويعود إلى تلكؤ هذه القضية المركزية عن الحل، واستبداد اسرائيل بفرض إرادتها ورؤيتها وفق مصالحها، وعلى حساب كل موازين العدالة، والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقد تمثلت هذه التحركات في اعتراف بعض البرلمانات بالدولة الفلسطينية، وتنامي الحديث عن الحق الفلسطيني، وصولا إلى المشروع الفرنسي، والقرار العربي إزاء المشروع الفلسطيني المزمع تقديمه لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي إلى مجلس الأمن، والذي ناقشه سفراء الدول العربية مؤخرا، وإجراء بعض التعديلات عليه بما يتفق مع بعض النقاط في المشروع الفرنسي، ثم النصر الدبلوماسي للفلسطينيين بتبني البرلمان الأوروبي قرارا يؤيد قيام دولة فلسطينية من حيث المبدأ، إلى جانب إعلان محكمة العدل الدولية شطب حركة حماس من اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية . كل هذه التحركات باتت تطرح الكثير من الأسئلة عما إذا كان الغرب بالفعل بدأ يعي أن العقدة الرئيسية في كل قضايا المنطقة وتعقيداتها المتزايدة تتمحور حول القضية الأم؟، وهو ما حاول العرب إيصاله للقوى الفاعلة في السياسة الدولية، والمؤيدة لإسرائيل على مدى عقود طويلة، أم أنها مجرد ممرات آمنة للعبور إلى غايات أخرى لا تزال طي الكتمان ؟، وبطبيعة الحال، لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذه التساؤلات بما يكفي من الوضوح، فالنتائج وحدها هي المخولة للكشف عمّا وراء هذه التحولات والمؤشرات الغربية تجاه القضية الفلسطينية وتشعباتها، خاصة أن هنالك الكثير من التجارب التي خاضها العرب مع الغرب، وأسفرت بالنتيجة عن ذلك الفيتو الذي يتربص في المحطة الأخيرة للإجهاز على أي مشروع لا ترضى عنه قوى الاحتلال، إلا أن ما يحدث الآن في المنطقة، وما أفرزه الربيع العربي من انفجار عبوة الارهاب، وتطاير شراراتها إلى مديات بعيدة أصبحتْ تهدد أمن تلك الدول، وهو ما حذر منه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ في لقائه منذ بضعة أشهر مع سفراء الدول الغربية، وقال: إن شرارة الإرهاب ستبلغ أوروبا وأمريكا في غضون أشهر إن لم تبادر المجموعة الدولية في كسر شأفته، وتجفيف منابعه، يجعلنا أكثر تفاؤلا بجدية مسار هذه الدول في حل القضية المركزية هذه المرة، وتغليب المصلحة الدولية، وشبكة الأمان العالمي، ومصالح الغرب في المنطقة على المصالح الاسرائيلية، وهو ما ستكشف عنه الأيام القليلة القادمة، ليبقى السؤال قائما: هل وعى الغرب أين يكمن الداء والدواء في مشاكل المنطقة؟.