نحو عقد اجتماعي عربي جديد
أثار الحكم بتبرئة الرئيس السابق حسني مبارك ونجليه ومساعديه، خيبة أمل لدى شريحة كبيرة من الرأي العام المصري، متسائلين عن اسباب هذا الحكم وخلفياته وتأثيره على مسار التحول الديمقراطي في البلاد. بل وعادت بهم الأسئلة إلى جدوى ثورة 25 يناير وما صاحبها من مظاهرات واعتصامات في محاولة لانتزاع حقوق في ظنهم انها مستحقة. وكثيرون رأوا في هذا الحكم موجة مضادة للثورة وتكريسا وانتصار للدولة العميقة. فبعد مرور اكثر من اربع سنوات من انطلاق ما يسمى الربيع العربي، ارى انه يمكننا تفسير الحالة المصرية بشكل مختلف اذا نظرنا اليها في اطارها العربي. وتجاوزا للبكائيات ونظم المراثي اعتقد ان (الدولة العميقة) هي الخيط الرفيع الفاصل لفهم جذور الموضوع. فالحالة اذا تم تفكيكها هي حالة دولة عميقة، فالوعي المجتمعي بمفاهيم الدولة المدنية التي تقوم على وجود قانون يحمي الحريات وحقوق الافراد وعلى المواطنة والتعددية وقبول الطرف الآخر والتسامح والمساواة والديمقراطية كوسيلة للحكم الرشيد لم تتشكل بعد في الوعي المجتمعي العربي، فما زال العالم العربي لم يخرج بعد عن ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة وهي المقاربة التي قدمها المفكر الراحل محمد عابد الجابري في كتابه العقل السياسي العربي، وهو الجزء الثالث من سلسلة مشروعه الفكري لنقد العقل العربي الذي درس فيها المكونات والبنى الثقافية واللغوية والسياسية والاخلاقية في العالم العربي. يخلص الجابري في كتابه العقل السياسي العربي الى ان الحالة العربية تعتمد على ذوي القربى والثقة بدل الاعتماد على ذوي الخبرة والمقدرة. والغنيمة باعتبارها العامل الاقتصادي في المجتمعات التي تعتمد على الخراج والريع. والعقيدة باعتبارها المنطلق الذي يحرك الجماعة ليس على اسس معرفية بل على رموز تؤسس الايمان والاعتقاد. هذه المحددات الثلاثة التي استند الجابري في دراستها على اطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، ودوبريه هي التي حكمت العقل السياسي العربي في الماضي ولا تزال تحكمه بصورة او بأخرى في الحاضر من خلال مظاهر الطائفية والتطرف الديني والعقائدي. فالقبلية لم تتحول بعد الى تنظيم مدني سياسي واجتماعي واضح المعالم، والغنيمة ايضا لم تتحول الى اقتصاد ضريبي أي تحويل الاقتصاد الريعي الى اقتصاد انتاجي. كما ان الفتوى ايضا لم تتحول الى مجرد رأي ترفع عنها القدسية وتفسح المجال لحرية التفكير والاختلاف والتعامل بعقل اجتهادي نقدي. وعليه ما اصطلح على تسميته بالدولة العميقة هي جزء واسع من ثقافة مجتمعات تربت على هذه القيم الثلاث واستشرى فيها وبالتالي فإن هدم الدولة العميقة لن يؤدي الى بناء دولة مدنية حديثة بل ان الهدم كما شاهدنا في بلدان الثورات ادى الى الفوضى والفوضى الطائفية. وفي مقال سابق (ربيع عربي مخضب بحناء الإرهاب) قلت ان الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت دولا كثيرة في الشرق الاوسط قادت بلا شك الى انهيار النظام القديم وهدم وتفكيك البناء السياسي والاجتماعي القائم، لكن الامور اتجهت في ظل ترسخ مفهوم الدولة العميقة في كل مناحي الحياة وغياب البديل المدني الجاهز لقيادة المجتمع، الى حالة من الفوضى العارمة والاضطراب، مما انعكس بدوره في فقدان القوى السياسية القدرة على تسوية العملية السياسية وآليات الحكم في البلاد مما ادى الى فقدان الاستقرار السياسي. وعليه فالعالم العربي لا يتحمل ثورات راديكالية لان القوى الاجتماعية والطبقية المرشحة لحمل هذا المشروع لم تتشكل والدولة العميقة مترسخة كما ذكرنا. وبالتالي فإن الحل الامثل لاحتواء الصراع والفوضى في بلدان الثورات هو التمهيد لأجواء مصالحة وطنية شاملة بين القوى الثورية وبقايا «الدولة العميقة» والاتفاق على صياغة عقد اجتماعي جديد، يضمن ادماج الاخير في مسار الاصلاح والتغيير والذي سيساهم في الاستقرار والسلم الاهليين. دون هذا المصالحة فإن الصراع سيستمر ويتفاقم والنهاية ستكون لصالح قوى «الدولة العميقة» التي تحمل القيم الحقيقية للمجتمع. * محلل سياسي