لنكتشف بأنفسنا الأخطاء التي تجاوزها المتقدمون عنا
يقول لي صاحبي: ألا تمل من المقارنة بين أحوالنا وأحوال الآخرين؟ قلت له: يا أخي، وهل بغير عرض الأحوال الممكنة لحالات نظن أنه غير ممكن إتمامها، أو الاشتغال عليها بطريقة سهلة ومفيدة، يمكننا معرفة التطبيقات العملية لما يطرحه كثير من المنظّرين؟ قال صاحبي هذا التعقيب بعد أن أطلعته على تحويل بنكين؛ أحدهما من بنك محلي رائد في السوق المحلية، والآخر من بنك أوروبي. وكان التحويل الذي قمت به عن طريق البنك المحلي مكتوباً بخط اليد، ومع كونهم يعطون العميل الصورة الكربونية من ذلك التحويل، إلا أن تبيّن تفصيلاتها يكاد يكون من وسائل التحقيق، وليس القراءة، خاصة إذا لزم إرسالها بالإيميل أو أي من وسائل التكنولوجيا الحديثة. وكان البنك يطلب في كل مرة أقوم فيها بتحويل مالي أن أملأ البيانات في نموذج التحويل بنفسي (من عنوان البنك وأرقام الآيبان أو السويفت كود واسم المستفيد وعنوانه، وكل ذلك بالطبع باللغة الأجنبية، علماً أنه يوجد بعض العملاء لا يستطيعون ذلك، أو لا يقدرون على إتمامه بشكل لائق ومقروء، خاصة أن أرقام الآيبان طويلة جداً والخانات صغيرة). لكن المشكلة في الخيار الآخر؛ وهو أن يقوم بتعبئته موظفو البنك، ان عدداً ممن رأيته منهم يملأ البيانات الضروري ملؤها من قبل الموظف في أسفل التحويل، أنهم لا يختلفون كثيراً عن فئة البسطاء غير المهنيين، الذين ربما لا يفرقون بين كتابة أرقام الواحد والسبعة بشكل واضح في الآيبان، ولا يكتبون الحروف بطريقة متناسقة ومقروءة. فعرفت حينها لماذا يلقون المسؤولية على عاتق صاحب التحويل، حيث إن قدراتهم محدودة. نعرف أن بنوكنا المحلية لا تسهم كثيراً في التنمية، ولا المشاريع العلمية، كما تصنع بنوك ومؤسسات دولية كثيرة؛ لكن ألا تدرّب موظفيها على الأعمال الأولية هذه، التي تدخل في صميم عمل البنوك، وبطريقة فاعلة، فهو ما أستغربه منها، مع عدم وجود ضرائب ترهق كاهلها، وزيادة أرباحها عن مثيلاتها في كثير من دول العالم. كما أستغرب عدم التفات مؤسسة النقد، وكذلك المؤسسات الرقابية الأخرى إلى مثل هذا التقصير في النواحي الخدمية لعملاء البنوك، والنواحي التدريبية لموظفيها، أو اختيار ذوي الكفاءات ممن تزخر بهم السوق المحلية. في المقابل كان النموذج الآخر مطبوعاً بالكامل من النسخة المدخلة في النظام المحاسبي للبنك الأوروبي، والأرقام فيه تحتل خاناتها بالضبط، والكتابة مقروءة بشكل جيد، ومبلغ التحويل مكتوب بخط كبير ومسوّد، وكذلك الجهة المحول إليها في أعلى الورقة. كل العمل متقن ومهني، ولم أشارك في كتابته، بل أعطيت الموظف ورقة فيها عنوان الجهة، التي أرغب تحويل المبلغ إليها، ورقم حسابها، وهو تولّى العملية بكاملها. وعندما اطّلع صاحبي على تحويل البنك الأوروبي، قال: والله في هذه معك حق! قلت: يا صاحبي، نوع الخدمات لا يتوقف عند هذا الحد، بل إن الاستشارات المبدئية يقدمها لك موظفو البنوك الأوروبية المدرّبون جيداً، دون أن تطلبها؛ أما بنوكنا المبجلة، فيفاجئك الجهاز الآلي بإيقاف حساب أو عدم صلاحية بطاقة، ولا تستطيع عمل شيء دون أن تزور أقرب فرع إليك. فأيهما أحق بالاتباع يا صاحبي؟ وهل ما زلت تلومني على المقارنة مع عالم متقدم عنا؟ يا أخي، نحن لسنا بحاجة إلى ابتكار العجلة في كل مرة؛ علينا أن ننظر إلى من هو متقدم عنا في مسار التنمية والتحديث، ونتبع خطواته.. الأمر يسير، ولا يحتاج إلى التجارب المريرة في كل مرة، لنكتشف بأنفسنا الأخطاء التي تجاوزها المتقدمون عنا!